بعد ساعة على حركته، وكذلك الكوكب نراه صغيرا في حجم الدينار، ولكن أدلة الهندسة تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار.
هنا يكذب حاكم العقل حاكم الحس .. ولكن هل المعقولات يقينية هي الأخرى؟ ... كلا، لأن المحسوسات قد تنهض قائلة: لقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني (فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه) (1).
ويمثل أبو حامد لذلك بالنوم، فنحن نعتقد في المنام أننا في عالم الواقع حتى إذا استيقظنا فإننا نعلم أنه لم يكن لما رأينا في المنام من حقيقة أصلا، وقد قال النبي (ص) الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا) فلعل المرحلة بعد العقل هي الموت، ولعلها ما يدعيه الصوفية أنها حالتهم بما يزعمون مشاهدته في أحوالهم إذا غاصوا وغابوا عن حواسهم.
فلما بلغ أبو حامد الغزالي إلى هذه الحالة، حاول علاجها بدليل، ولكن كيف السبيل إلى دليل وهو يتم تربيته من الأوليات العقلية، وقد شك الغزالي في كل شيء؟
أعضل الداء وعز الدواء، ودام هذا الحال مدة شهرين كان الغزالي أثناءها (على مذاهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال) (2) ...
ثم شفي من ذلك وعادت نفسه إلى الاعتدال، ورجعت إلى الضروريات العقلية قيمتها ... يبدون نظم دليل وترتيب كلام (بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور) وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله الواسعة (3)، ويستشهد الغزالي بما ورد في الأحاديث النبوية في هذا المعنى فيقول إن النبي (ص) سئل عن معنى الشرح في قوله تعالى ( .. يشرح صدره للإسلام .. ) فقال (هو نور يقذفه الله تعالى في القلب) كما قال عليه السلام (إن لربكم في أيام دهركم نفحات إلا فتعرضوا لها).
بعد هذا تبين لغزالي أن الحقيقة لن تعدو الفرق الأربع التالية:
1 - المتكلمون ويدعون أنهم الرأي والنظر.
ب-الباطنية وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم المخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.
ج- الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.
د-الصوفية وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة.
ورأى أبو حامد أن الحق أشذ عن هؤلاء فلا مطمع في إدراكه، ولا في الرجوع إلى التقليد لأن شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد. ولذلك بدأ الغزالي يبحث هذه الفرق ويستقصي ما عندها.
1 - فابتدأ بعلم الكلام فحصله وطالع فيه، وصنف ما شاء الله له التصنيف، فوجد أن هذا العم لا يفي إلا بمقصود ذاته، فلا يشبع نهم أبي حامد على الحقيقة. والقصد منه حفظ عقيدة أهل السنة على أهل السنة، وحارستها عن تشويش أهل البدعة، فقد بعث الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله بعقيدة فيها صلاح دين العباد ودنياهم، كما نطق بذلك القرآن والحديث، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا تخالف السنة فلهجوا بها، وكادوا يشوشن عقيدة الحق على أهلها، ولذلك قام المتكلمون لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف تلبيسات المبتدعة، ومن ذلك نشأ علم الكلام ..
وقد أحسن بعضهم الذب عن السنة والعقيدة إلا أنهم- فيما يرى الغزالي - اعتمدوا على مقدمات أخذوا من الخصوم بدافع التقليد أو تبعا لإجماع الأمة، ولم تكن مهمتهم تخرج عن استخراج تناقض خصومهم، وأخذوهم بلوازم مسلماتهم.
لذلك لم يستطع الغزالي أن ينتفع بشيء من هذا وهو الطالب للضروريات.
ويرى الغزالي أن المتكلمين لم يمحقوا الحيرة عنده، ولا يستبعد أن يكون هذا قد حصل لغيره،