تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 .................... ص 31

المراحل الفكرية لحياة الغزالي

للأستاذ: محمد صالح الزعيمي

إن المصدر الأساسي الوحيد الذي يمكن أن يستقي منه الحديث عن حياة الغزالي ومراحلها الفكرية هو كتابه الطريف المسمى ب «المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال».

ولما كان هذا الكتاب قد أصبح- من حيث هو مرجع يعتمد عليه في التعرف على حياة أبي حامد الغزالي- موضع شك من قبل بعض الباحثين، فسوف لا نغفل هذه الناحية أيضا، وسنحاول تبين حقيقة الأمر، ولكن لا غنى لنا عن أن نستلهم أولا هذا الكتاب في موضوعنا وأن نتعرف على ما أراد الغزالي اطلاعنا عليه من مراحل تفكيره.

يقص الغزالي في (المنقذ) قصة حياته في لهجة خطابية مؤثرة وأسلوب جميل تسوده رزانة تدل على عمر صاحبها.

ويحدد الغزالي في البدء المواضيع التي سيتحدث عنها وهي الحديث عما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق، وما تجرأ عليه من الارتفاع من التقليد على الاستبصار، وما استفاده من علم الكلام، وما احتواه من طرق التعليمية، وما ازدراه من الفلسفة، وما ارتضاه من التصوف، وما صرفه عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلاب، وما دعاه إلى العودة إلى نيسابور.

إن أسلوب الغزالي هنا هو أسلوب القصة المشوقة الجميلة المؤثرة، وليس هذا الكتاب في الحقيقة إلا قطعة أدبية فنية.

يقول الغزالي انه منذ شبابه لم يزل يقتحم لجة ذلك البحر العميق الذي غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، ذلك هو بحر اختلاف الأديان والملل والمذاهب مع تبيان الطرق والفرق، فلم يكن يترك مسالة إلا ويحاول استكشافها، ولا مذهبا أو فرقة إلا ويسعى للاطلاع على كنهها وحقيقتها، وكان تعطشه ذاك إلى درك الحقائق غريزة وفطرة من الله وضعت في جبلته- وبذلك انحلت عنه عقدة التقليد، وخاصة عندما لاحظ أن أبناء كل من النصارى واليهود والمسلمين لا ينشأون إلا على دين آبائهم (قال رسول الله (ص) كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).

وعند ما فكر الغزالي بكل هذا ظهر له أن العلم اليقيني (هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلكن بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصى ثعبانا، لم يورث ذلك شكا وإنكار ... فإنني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل أني اقلب هذه العصا ثعبانا، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم اشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه، فأما الشك فيما علمته فلا) (1).

فكل علم لم يصل إلى هذه الدرجة من اليقين فلا ثقة بت ولا أمان معه.

فهل وجد الغزالي أن عنده من هذا النوع من العلم شيئا .. كلا؟ إلا فيما يتعلق بالحسيات والضروريات، إلا أن الحواس خادعة، فإن العين تنظر إلى الظل فتراه واقفا فتحكم بسكونهن ثم تدل المشاهدة

(1) المنقذ من الضلال ص 59 طبعة دمشق 1956.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٠٨