تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما في قصيدة «صلاة القمر» فقد انتحت الشاعرة منحى رمزيا، بحيث أن الألفاظ تتجاوز معناها الظاهري:

كأس حليب مثلج ترف

أم جدول سائل من الصدف

أم غسق ابيض يسيل على

خدود ليل معطر السدف

أم حق عطر ملون خضل

يقطر شهدا لكل مغترف

أم أنت خد مزنبق ارج

ينعس فوق الأعاشب والسعف

يا فضة كالضياء لينة

يا لون حبي القديم، يا شغفي

* * *

ما أنت؟ يا دورق الضياء ويا

كواكبا في الظلام منصهرة

يا قبلا يا سوسنيه سكبت

شهدا مصفى في ليله عطرة

يا مخبأ للجمال يا حزما

من زنبق في السماء منعصرة

ويا شفاها من الضياء دنت

تمسح وجه العرائش النضرة

يا بركة العطر والنعومة يا

سلة فل في الأفق منحدرة

هاتان القصيدتان الأخيرتان سقناهما كمثال عن الشعر الباسم المشوق في دواوين «نازك الملائكة»، ولكن هذا النوع كما قلنا من المستثنيات، والذي يغلب على الشاعرة هو النوع المتشائم الحزين.

إن الأمثلة القليلة من شعر «فدوى طوقان» و «نازك الملائكة» التي ألقينا عليها نظرة سريعة تبين لنا أن الشاعرة العربية ربما كانت أكثر جرأة في التعبير عن شعورها وأفكارها، وهذا الشعور وتلك الأفكار تصطبغ بلهجة ثائرة تعرب عن روح قلقة متوثبة، روح عطشى لا تجد في الماضي ولا في الحاضر ما يبدل صداها ولا تصادف في العالم الخارجي إلا أسباب الحزن واليأس والتشاؤم، فهي شاكية، باكية، ملتاعة وقد يكون من المفيد البحث عن علة هذه الميزة التي اختصت بها بعض شوارعنا، والعلة في هذا الباب لا ترجع الى سبب واحد، بل الى أسباب منها ما هو ناشئ عن طبيعة الفرد وذاتيته، ومنها ما هو وليد المجتمع، ويخيل إلي أن الأسباب الاجتماعية، في المسألة التي نحن الآن بصددها، أقوى من الأسباب الفردية.

فالظاهرة التي لاحظناها في هذا الشعر النسوي هي، قبل كل شيء، ناتجة عن التقاء عاملين اجتماعيين هما:

أولا- عامل التطور الاجتماعي الذي دخل على المجتمع العربي بصفة عامة.

ثانيا- عامل الانقلاب الثوري الذي حدث خاصة في المجتمع النسوي العربي.

وبعبارة أوضح، أن المرأة العربية تعيش في آن واحد ثورتين متوازيتين: ثورتها كمواطنة تساهم في تطور وتقدم أمتها، وثورتها كسليلة جنس اقتضى له نظر الرجل أن تعيش في إطار خاص وفي عالم كله سدود وقيود.

إلا أن الذي حدث في المجتمع العربي، بصورة خاصة هو أن المرأة، رغم كونها تعيش ثورتين في آن واحد، فإنها لا زالت في عراك مع التقاليد ولا زال الوسط الذي تعيش فيه غير متهيئ ولا ممهد ليتركها تلعب دورها وتصل بثورتها الى نتائجها الطبيعية، فثورتها بهذا المعنى، نظرية أكثر منها عملية.

ولذلك، فإنها، مهما وهبت حظا من الشعور والذكاء مثل «فدوى طوقان» و «نازك الملائكة»، تشعر بالفراغ حولها وتدرك أن وجودها في المجتمع لا زال لم يأخذ معناه الحقيقي الواسع الكامل، فهي حسب القوانين والأوضاع المجددة، أصبحت تتمتع بكل الحقوق وتتوفر على نصيبها من الحرية، ولكنها حسب الواقع الاجتماعي لا زال مفروضا عليها أن تقنع بالسراب والهباب الوهمية وأن تظل منزوية في ركنها، كل هذا لأن الشعور الاجتماعي في مجتمعاتنا لم يستسغ في أعماقه، ما يسمى بحرية المرأة وحقوقها.

ومهما يكن فإن هذه الوضعية الشاذة هي التي تجعل بعض شواعرنا يعشن هذه التجربة الرومانطيقية القوية، وقد يكون في هذه الظاهرة برهان جديد على أن الإبداع الفني كما يقول بعض الفلاسفة، لا يتولد إلا عن الأحوال الشاذة والمتوترة.

(يتبع)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٠٧