تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبث الوجود وفراغ الحياة من كل معنى وفائدة وتراكم الآلام والأشجان، ولنتمعن هذه المقاطع من قصيدة «الغروب»:

هبط الليل وما زال مكاني

عند شط النهر، في الصمت العميق

شردت روحي، وغابت عن عياني

صور الحاضر والماضي السحيق

وأمحى في خاطري ذكر الزمان

وتلاشت ذكر الدهر المحيق

ليس إلا الحزن يمشي في كياني

وأنا في ظلمة الليل الصديق

غرق الضوء وراء الأفق

حائل قد كاد يمحوه الفناء

وأنا تمثال حزن محرق

وخلا العالم من لون الضياء

ليس إلا رمق في الشفق

وشقاء مطبق فوق شقاء

ارمق الأفق بطرف مغرق

تائه يطوي دياجير الفضاء

فمنظر الغروب الذي يكون مدعاة عند بعض الشعراء للمزيد من الحياة والاستمتاع بها لا يثير في نفس شاعرتنا إلا اليأس والحزن، وتستعرض بعض المشاهد التي ترافق ساعة الغروب، ملقية عليها نظرة قاتمة مغتمة، فالراعي عندما يعود بأغنامه ليس إلا «حزنا وسكونا» ونباح الكلب في الحقل ليس إلا صوتا «موحشا في ظلمة الليل»، «غامض الوقع»، ومياه النهر المنسابة إنما «تجري في شحوب، تحت أكداس الغيوم الجاثمات»، وصدى الطاحونة إنما «يكئب النفس باشجى النغمات».

وتختم القصيدة بهذه الأبيات التي تقدم فيها خلاصة شعورها:

هكذا مر على روحي الغروب

غامض الظل حزين الخطوات

فوداعا أيها الجرف الكئيب

ووداعا يا غمار الظلمات

إلا أن نازك التي نراها في كثير من قصائدها تلقي نظرة يائسة حزينة على العالم فتصبغه بألوان متجهمة كئيبة، تستطيع من حين لآخر أن تعيش لحظات من الإشراق الروحي فيفيض شعورها بأبيات باسمة متهللة، كلها تحية للكون وللحياة، كما نرى، مثلا، في قصيدتي «جزيرة الوحي» و «صلاة للقمر».

ففي قصيدة «جزيرة الوحي»، نرى الشاعرة وقد ملت خمولها في جو اليأس والقنوط تريد أن تنطلق من عقالها لتذهب الى عالم تشع فيه البهجة والفرح فتقول:

خذني على العالم البعيد

يا زورق السحر والخلود

وسر بقلبي الى ضفاف

توحي الى القلب بالقصيد

جزيرة الوحي، من بعيد،

تلوح كالمأمل البعيد

الرمل في شطها ندي

يرشف من دجلة البرود

والقمر الحلو، في سماها

أمنية الشاعر الوحيد

فلتسر يا زورقي بروحي

قد آن أن يستفيق عودي

وآن للشعر أن يغني

بالحلم الضاحك الشرود ..

فلتبسمي، يا ابنة الأغاني

للشاطئ الساحر المديد

ولتوقفي الزورق المعنى

تحت شعاع السنا البديد

العود والشعر والأماني

شاعرتي، فاصدحي وزيدي

قد ضحك العمر واستنامت

عواصف اليأس والنكود

وانقلب اليأس بشريات

وأمنيات، فأي عيد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٠٦