تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحس مع ذلك ونحن ننصت إليه بتمعن أن تجربة الشاعرة صادقة عميقة، وأن أبياتها تمتاز بنوع من الطراوة والخفة والشباب، وأن الشاعرة لها قصة في حياتها، قصة صهرت شخصيتها وفجرت لها ينابيع الفكر والشعور.

إلا أن القصة لم تجعل من الشاعرة مغنية الأمل والسعادة، بل إنها جعلت منها، على العكس، منشدة اليأس والحيرة، فهي في الوقت الذي ترى فيه الجمال وتدركه بكل مشاعرها، تفهمك أنه ظل زائل لا يبقى وراءه إلا الشر والذمامة، وقصيدة «الروض المستباح» تبين لنا أن الجمال كائن حي قوي، ولكنه دائما مهدد، وحالته هذه تدعونا الى العطف والشفقة عليه، تبتدئ الشاعرة قصيدتها فتنادي طائرها للغناء:

أين الغناء العذب يا طائري

نسبق فيه كل شاد طروب

وأين أفراح الصبا الزاخر

باللهو، أم أين المراح الدؤوب

مالك تقلى نظرة الحائر

يريد يستجلي خفايا الغيوب؟

وما الذي في قلبك الشاعر

قل لي، فإن البث يشفي القلوب

وتحاول الشاعرة أن تغري الطائر بالغناء فتصور له مباهج الروض:

أما ترى حولك همس الورق

بسكبه في أذن الجدول

كأنه نجوى محب سرق

هنيهة من غفلة العدل

والزهر الرفاف أما عبق

عبيره يسري مع الشمال

وهذه الدنيا، وهذا الالق

فمتع النفس ولا تمهل

* * *

بين الفراشات وزهر الربيع

هينمة الصب إذا يعتب

ويح الفراشات، هواها خدوع

تلهو بذا، وبذا تعلب

كم توهم الزهر هيام الولوع

وقلبها يا طائري قلب

فيها على التبديل طبع نزوع

والطبع غلاب فما يغلب

وهذه الوردة ذات الرواء

كم تشتهي لحنك في حبها

بلبلها اليوم إليها أفاء

وأرسل العطر إلى قلبها

وفى لها، والنفس تلقى الوفاء

أجمل ما تهداه من صحبها

غن ومتعها بهذا الصفاء

أو، لان، فلن تنجو من عتبها

ولكن صمت الطائر جعل الشاعرة تستريب مما حواليه وتنظر فترى الخطر الذي يهدد الروض والطائر في شكل بوم جاء بشؤمه ليعبث بجمال الروض ويهاجم وكر الطائر:

ماذا أرى؟ هذاك بوم غريب

منطلق، جهم المحيا، وقاح

يحوم في الروضة حوما مريب

غدوه متهم ... والرواح

يطل من عينيه قلب جديب

لكنه ارعن فيه جماح

أقتحم الباب اقتحام الغصوب

وجاس في الروض طليق الجناح

هذه النغمة الحزينة اليائسة، نجد شاعرة أخرى تصدت قبل فدوى طوقان لإيقاعها وترديدها بلغة ربما كانت أقوى صراحة واشد وقعا، إنها «نازك الملائكة»، ونازك شاعرة ثائرة تكاد ترتفع في ثورتها على آفاق ما بعد الطبيعة، وتكاد تزلزل ما ألفناه من نظرة إلى الواقع وتذوق للجمال، فهي أمام مناظر الطبيعة الجميلة التي توحي عادة بالدعة والهدوء والاستقرار وتبعث في النفس نشوة منعشة، لا ترى إلا سخافة الكون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٤٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٤٠٥