وأوصى القرآن الكريم بما يحفظ قوة هذه العلاقات، وبما يديم نظرة الأفراد إلى الله وبما يوجه كفاحهم لصالح أنفسهم، كجماعة تريد السيادة لأجيالها المتتابعة جيلا بعد جيل.
أولا: أوصى القرآن باحتفاظ الجماعة بسيادتها. وذلك بأن لا يكون لأفرادها ولاء لغير بعضهم بعضا، أي لا يكون للدخيل بينهم طاعة عليهم، ولا يرقى هذا الدخيل في نفوسهم إلى درجة أن تكون له وصاية، أو إلى أن يعد مرجعا في إبرام شؤونهم، يقول الله تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم.»
فعلل الله سبحانه وتعالى تفضيل ولاية المؤمنين بعضهم على بعض- وبالتالي ابعاد ولاية الأجنبي عليهم- بالاشتراك في خصائص وصفات هي مقومات الجماعة الإسلامية بالاشتراك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله. وولاية أجنبي عليهم ستذهب بهذه الخصائص، وبالتالي بشخصية الجماع الإسلامية. وأن هذا الأجنبي الذي يتولى أمرها لا يشاركهم في هذه الخصائص. ولذا لا يقررها وربما يعاديها ويعمل على افنائها.
يوصي القرآن بذلك لأنه إن قبلت ولاية الأجنبي ووصايته، ابتعدت الجماعة عن الهدف والغاية التي اجتمعت حولها من قبل، وأصبحت أفرادا فقط مختلفي النزعة والغرض، لا جامع يجمعهم ولا رابط يؤكد الصلات بينهم.
ثانيا: أوصى القرآن كذلك- بعد احاطة الجماعة الإسلامية بهذا السور الخارجي، وهو إبعاد ولاية أجنبي عليهم - بإتباع سبيل «العدل» في الحكم بين الناس، فيقول: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل».
يوصي القرآن بالعدل في القضاء والفصل بين الناس، لأنه أساس الاطمئنان بين الأفراد على أنهم سواء في ظل الجماعة، وأن الجماعة لذلك ليست حزبا تفصل بين فريق موال وفريق مخاصم، بل هي رعاية عامة وهذا الاطمئنان بالمساواة في العدل يوحي بدوره إلى تمسك الأفراد بجماعتهم وإلى الكفاح في سبيل بقائها وإلى مؤازرة ضد عدوها الخارجي.
ثالثا: أوصى القرآن بالتريث في قبول الأخبار المغرضة، وفحص شائعات السوء. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين».
أوصى القرآن بذلك للإبقاء على العلاقات سليمة صافية. فإن سرعة التصديق للأخبار والشائعات المغرضة، سواء ما يتصل بفرد وفرد، أو بأسرة وأسرة، أو فيما يتصل بالأفراد والحكومة، لا تقف عند حد تمزيق وحدة الجماعة، بل من شأن هذه السرعة أن تثير فتنة قد تنتهي بخصومة عنيفة بين أبناء الجماعة. وبذلك تتحول الجماعة إلى طوائف متباينة القصد والسعي. وعندئذ تصير على فنائها، كجماعة.
رابعا: أوصى بعدم استغلال الضعيف: أوصى بعدم استغلال اليتيم، ومن على شاكلته، كالأجير، والخادم ممن عليه رياسة بوجه ما. يقول الله تعالى: «وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، انه كان حوبا كبيرا».
ولفظ الآية وإن كان نصا في طلب تسليم أموال اليتامى- وهم القصر- إليهم بعد بلوغ الرشد، بدون مماطلة. لكنه يتجاوز ذلك الى طلب الحقوق لأصحابها، الذين لهم وضع يشبه وضع اليتيم من الوصي عليه. فصاحب الرياسة مطالب بتسليم حقوق زوجته وأولاده إليهم. وهكذا. ثم يصف سبحانه وتعالى امساك تسليم الحقوق إلى أصحابها الضعاف باستبدال الخبيث بالطيب أي بترك الطيب وأخذ الخبيث بدلا منه، ثم يصفه كذلك بأنه أكل، ثم بأنه ظلم، ثم بأنه ظلم غير عادي، بل هو ظلم كبير.
أوصى القرآن بذلك، لان استغلال القوي للضعيف يدل على أن الجماعة التي جمعتهما، جمعت القوي والضعيف على هذا الوضع، ليست إلا وسيلة لتحقيق الأغراض الخاصة وليست رعاية عامة لحقوق كل فرد منها. وإنما وجدت الجماعة للترابط في وحدة واحدة، والتعلق بهدف واحد، والاحتكام إلى ميزان واحد، هو العدل والتوازن.
خامسا: أوصى الإسلام بتقريب الفروق بين الأفراد، حتى لا يشعر الفقير بحرمانه ولا المريض بعجزه، ولا الجاهل بحمقه وسوء تصرفه، ولا الصغير بضعفه وحداثة عهده، ولا الشيخ بوهن شيخوخته.
(يتبع)