والاتزان، والاستقامة في السلوك والتصرف، أن يكون مصداقا لقوله تعالى: «وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليكن ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين».
فإذا سار الإنسان في سلوكه وفق وصايا هذه الآية القرآنية، فانه لاشك يكون معتدلا، ومتزنا، ومستقيما.
فإذا سعى الإنسان في حياته لأحذ نصيبه من الدنيا - لا لأخذ الدنيا كلها-وفي الوقت نفسه قصد وجه الله فيما حصله من الدنيا، فأحسن إلى غيره كما أحسن الله إليه، ولم يقصد إلى العبث والفساد فيما تفضل الله به عليه، كان معتدلا، ومتزنا، ومستقيما، لم يتواكل، فحصل حظه من نعم الحياة، ولم يغتر ويفرح بما خصه من هذه النعم، فلم يتخذ هذه النعم وسيلة للعبث في حياته الخاصة وحياة جماعته العامة، لم يرتكب إثما ولا محرما، لم ينتهك عرضا ولا حرمة لغيره عن طريق هذه النعم، ثم مع ذلك لم يحرم من هذه النعمة مستحقا آخر فيها، لم يحرم ذا قرابة، وذا جوار، وذا متربة، وصاحب حاجة- إنه عندئذ متزن في تصرفه، معتدل في سلوكه، ومستقيم في اتباعه طريق الله ووصاياه.
3) في المعاملات:
والإنسان مع إنسان آخر، بمثابة الإنسان الفرد المتردد بين اتجاهين متقابلين: اتجاه النفس المطمئنة واتجاه النفس الأمارة بالسوء. فكذلك الإنسان مع الإنسان. هذا له اتجاه، وذلك له اتجاه آخر. هذا له عادات وآمال، وذلك له عادات وآمال، هذا نشأ نشأة خاصة، وذاك نشأ نشأة مغايرة. فإذا كثر عدد أفراد الناس تعددت وجوه المغايرة بينها، وكثرت ضروب المفارقة والمقابلة.
الجماعة العامة:
وعلى نحو ما أراد الإسلام للإنسان الفرد من وحدة اتجاه في سعيه وسلوكه- أراد للكثرة العديدة من الناس، وهي الجماعة، نفس الغاية، ونفس السبيل، أراد لها أن تكون أمة واحدة، وأن يكون سعيها لذات الهدف أو الغاية، وهي أن تكون أمة واحدة، وما شرع باسم المعاملات هو لسبيل لتحقيق هذا الهدف.
إن وحدة الجماعة والأمة لا تتوقف- فحسب- على الأسباب التي تحيط بأفرادها بحكم البيئة، أو الموطن. أو إمكانيات العيش، بل لابد في تحقيق وجود أية جماعة، وجودا قويا ظاهرا، من وحدة الغاية والهدف. لأن وحدة الغاية والهدف هي المركز الذي يتجمع الأفراد حوله، ويتكلمون من أجله، وتشتد الروابط بينهم بسببه، وتصير هذه الروابط إلى اخوة في النفس والروح، بعد التقاء على الفكرة والمبدأ.
والقرآن الكريم، فيما أوصى به من أخلاق للجماعة، لم يوص إلا بعد أن حدد الغاية للجماعة التي يريدها، والتي عمل على تكوينها، ووصاياه هنا بعد ذلك هي وصايا لحفظ توازن هذه الجماعة، وبالتالي لحفظ علاقات الأفراد فيها من التفكك والتلاشي.
والغاية التي حددها القرآن لجماعته هي عبادة الله وحده، يقول الله جل شأنه في كتابه الكريم: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا» ويقول: «قل إني أمرت أن أبعد الله مخلصا له الدين» ويقول: «ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير». ويقول: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
والإسلام إذ يحدد غاية الجماعة بعابدة الله وحده، يدفع أفرادها على الشعور بالكرامة والسير في الحياة دون عائق من أوهام الوثنية في أية صورة من صورها، والشعور بالكرامة والانطلاق في الحياة من قيود الخرافة والشعوذة، واقتحام الصعاب فيها، دون انتظار لوضع خاص لكوكب من الكواكب كما كانت عادة العرب قبل الإسلام، ودون إذن وصي أو سيد، كما هي عادة العبيد الأرقاء، كل هذا مظهر لعبادة الله وحده.
وأصحاب هذا الشعور، أولئك الذين انطلقت نفوسهم من قيود الخرافة والشعوذة والوثنية في صورها المختلفة - من عبادة الأحجار إلى عبادة الأشخاص- يضيفون إلى قوتهم، كأصحاب سعي وحركة، قوة توجيه ويقظة. وهم، لهذا وذاك، لابد أن ينجحوا إذا كافحوا، ولا بد أن ينتصروا إذا خاصموا.
وكي لا يدخل عامل يضعف علاقات هذه الأفراد في الجماعة، فتتجه نظرتهم على هذه العلاقات، بعد أن ارتفعت نظرتهم جميعا الى الله وحده سبحانه، وكذلك يتجه كفاحهم إلى صلات بعضهم ببعض، بعد أن تركزت فيما وراء أشخاصهم وذاوتهم- لأجل هذا