تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن لم يسع في دائرة العلاقات مع غيره، نحو تقريب هذه العلاقات نحو الوحدة، لم يدرك في سعيه في هذه الدائرة وحدة الله تعالى. وان سلك سلوكا متضاربا فيها، كان تضاربه في هذا السلوك امارة على انه لم يصل على ما يقرب من الوحدة في علاقته بغيره.

وإذن هدف العبادات في الإسلام تحصيل الوحدة في ذات الإنسان، وجعل السلوك طبقا لها. وهدف المعاملات في الإسلام محاولة تقريب العلاقات بين «الاثنين» إلى وحدة، وتكوين السلوك وفقا لهذا التقريب.

2) في العبادات:

والإنسان بحكم تكوينه موزع بين أمرين متقابلين. وهو لذلك له اتجاهان في الحياة: أحد هذين الاتجاهين يصدر عن النفس الأمارة بالسوء، والاتجاه الثاني يصدر عن النفس المطمئنة. أما النفس الأمارة بالسوء فهي التي تميل بالإنسان إلى أن يكون صاحب غرض وهوى، وصاحب شهوة خاصة، وأما النفس الأخرى- المطمئنة - فهي التي تميل بالإنسان إلى أن يكون صاحب «عدل» وتوازن واستقامة. وجاء الإسلام بالعبادات: جاء بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، كي يكون الإنسان صاحب اتجاه واحد، كي يكون صاحب نفس مطمئنة راضية، كي يكون صاحب توازن، وعدل واستقامة.

جاء الإسلام بالصلاة - وهي أن يتجه الإنسان في خشوع نحو الله ونحو جلاله، وأن يناجي هذا الجلال بقوله: الله أكبر- ليحصل في الإنسان قيمة الوجود كله. وقيمته عندئذ: إن شيئا واحدا فيه كله له العظمة والجلال، وان ما عداه تضمحل قيمته وتتضاءل، فإذا ثبتت هذه القيمة في نفس المصلي، كانت نفسه نفسا مطمئنة، لأنه يستبعد من المصلي، بعد أن يدرك هذه القيمة، أن تميل نفسه وتحرضه على تحصيل شيء في الوجود دون الله، وليست النفس الأمارة بالسوء إلا تلك النفس التي تخضع الإنسان إلى غير الله في الوجود، وهي لا تفترق عندئذ عن الشيطان في الهدف والغاية.

وإذن الصلاة عبادة قصد بها أن تكون نفس المصلي نفسا مطمئنة، قصد بها أن يكون الإنسان صاحب اتجاه واحد، وعندئذ تتحقق وحدة الإنسان، ويرتفع فوق التردد بين النفسين.

وجاء الإسلام بالزكاة ليسعى المزكي عن طريق زكاته، كعبادة فيها قربى إلى الله، نحو اتجاه واحد في سلوكه، وهو اتجاه المعطى المانع، وبذلك يكبت الاتجاه الآخر في الإنسان وهو اتجاه الاستيلاء، والطمع، والجشع. وهنا أيضا تكون الزكاة عبادة لتحصيل وحدة الإنسان، بدلا من توزيعه وتردده، أو بدلا من أن يتردى في ذلك الاتجاه الآخر، الذي يبعده عن السمو والتشبه بالله في منحه وعطائه وهو اتجاه التردي في الطمع والجشع.

وجاء الإسلام بالصوم. والصوم ليس فقط تقريرا لجلال الله والامتثال له، وليس فقط متضمنا أيضا عدم الحرص على الاستيلاء والأخذ، لأنه يقوم على الإمساك والترك- وهو ليس فقط هذا أو ذاك وإنما هو كبت لذات الإنسان، وحرمان لهذه الذات، طواعية لامتثال أمر الله، والحرمان فيه أكثر من المنح والعطاء، كما في الزكاة، لان المانح والمعطي لا يستلزم أن يحرم ذاته، ولكن إذا حرم ذاته تجاوز عندئذ حد المانح المعطي.

وإذن عبادة الصوم فيها امتثال لله، وذلك إقرار بوجوده وبقيمته في الوجود، وفيها أكثر من المنح والإعطاء، فيها المقابل للاستيلاء وهو الحرمان، والاستيلاء أخذ، والحرمان ترك، والصوم لذلك خطوة أخرى في طريق توجيه الإنسان وسعيه نحو وحدة ذاته، نحو تحصيل النفس المطمئنة، التي لا تخضع لما عدا السمو، والتشبه بالله.

وجاء الإسلام بالحج، وفي الحج عود بالإنسان إلى حالته الطبيعية، فيه ترك، ومنح معا، فيه ترك للمظاهر الزائدة على الطبيعة الإنسانية. وفيه منح عن طريق الأضحية. وبذلك تصب عبادة الحج في نفس الغاية التي تهدف إليها عبادات: الصلاة والزكاة والصوم.

فإذا تحقق للإنسان اتجاه واحد، كان سلوكه سلوكا متزنا مستقيما، معتدلا لأنه لا يتأرجح عندئذ بين شيئين متقابلين، لا يلبس اليوم وجها، وغدا وجها آخر، فهو مستقيم إذن، ولا يفضل اليوم هذا ويفضل نقيضه غدا، فهو متزن إذن، ولا يخضع الآن يمنة ثم في آونة أخرى يجنح يسرة، فهو معتدل إذن، واعتداله واتزانه واستقامته، تدل على أنه أصبح واحدا، وبذلك تأثر في حياته بعابدة الله الواحد. وإمارة الاعتدال،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٨٧