تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- بالنسبة للرأي العام السوري-تعني المغامرة غير الواعية، لقد دلت الوقائع التي تشكل حياة سوريا الداخلية فيما بين سنة 1949 و 1954 على أن مفهوم الوحدة عند الجماهير في الإقليم الشمالي الحالي كان يرتبط دائما بمعاني التقدم والتحرر والانطلاق، وهذا ما يفسر المعارضات الشديدة التي كانت تصطدم بها بعض المشاريع التوحيدية، تلك التي كان يباركها الوضع الموءود في العرق على الرغم مما كانت تحظى به من تأييد ومساندة من بعض التشكيلات السياسية في دمشق، وقد كان القوتلي- وهو في منفاه القسري بمصر- الروح المناوئة لهذه المشاريع، ولم تكن مناوأته تلك مجرد انعكاس لنوع من الاتجاهات الفردية أو الحزبية المعينة، وإنما كانت- في الواقع- مظهر انسجام حقيقي مع الروح التي كانت تسود الجماهير السورية على العموم والتي كانت تحدو هذه الجماهير الى العزوف عن كافة أشكال الوحدة المشبوهة والشوبة كمشروع الهلال الخصيب والوطن القومي السوري وغير ذلك. ولا جرم أن المعارضة التي كانت تجابهها هذه المشاريع تؤول في اغلب الأحوال الى الاعتقاد بوجود بعض الصلة بينها وبين المصالح الغربية الدائمة في الشرق الأوسط، ومما كان يؤكد هذا الاعتقاد ما كان يلاحظ على بريطانيا من ميل شديد الى مظاهرة مشاريع الوحدة السورية على هذا الأساس، وتعزيز مطلق للجهات التي تعمل لحساب هذه الوحدة، وتجد في العمل على تحقيقها، ولهذا كان من الطبيعي أن تجتاح الرأي العام السوري مشاعر الارتياب والاشتباه في هذه المشاريع، ويقوده ذلك- بالطبع- الى التزام قسط كبير من السلبية والبرودة إزاء الدعوات المتكررة اليها والبوادر المتخذة في سبيل تحقيقها، بل واللجوء إلى مناوئتها- بصورة مباشرة وعلى نطاق واسع جدا في بعض الحالات. على أن هذه السلبية المطلقة التي كان يتسم بها موقف الشعب السوري من مشاريع الوحدة «الهلالية» لم تحل دون استرسال العمل الدعائي المنظم الذي كانت تتبناه بعض الأحزاب السورية في سبيل الدفاع عن هذه المشاريع.

واجتذاب الجماهير الى مظاهرتها بجميع الطرق والوسائل، وفي أعقاب حرب فلسطين وما خلفته في سوريا من صدمات سياسية وسيكولوجية- أصبح النشاط الدعائي للوحدة السورية أوسع نطاقا من ذي قبل، وأكثر اتصالا بحياة الجماهير واهتماماتها، وأشد ملائمة للظروف القاسية التي كانت تجتازها هذه الجماهير، وغدا أسلوب الدعوة حينئذ يعتمد على أسس نفسانية ملائمة كالتخويف الجماعي من غموض المستقبل، والتلويح بالأخطار الجاثمة على الحدود الإسرائيلية والتلويح بالوحدة (كيفما اتفق) كأساس للتخلص من خطورة هذه الإمكانيات والاحتمالات. وكان العهد الانقلابي الثاني الذي قاده الزعيم سامي الحناوي في سوريا (1949) مجالا رحبا لتركيز الدعوة في مشاريع الوحدة المعروضة على هذا الأساس، وضمان التأييد الشعبي لمضمونها ونتائجها، وقد جهدت الحكومة الانتقالية في ذلك الحين في تهيئ الرأي العام السوري إلى تقبل مبدأ الوحدة على أي أساس ممكن، وذلك لإنقاذ سوريا من أخطار الاكتساح الإسرائيلي ومساعدتها على التخلص من الأزمة الاقتصادية التي كانت تزين عليها، لكن تصميم الجماهير كان في أساس العوامل التي حالت دون ذلك وأفضت التعقيدات السياسية التي خلفتها تلك المحاولات الى اقبار ذلك العهد برمته.

وعلى الرغم مما كان يبدو به العهد الانقلابي الرابع بسوريا (عهد الشيشكلي الأخير) من ميل ظاهري الى التضامن العربي وعطف سطحي على مبادئ القومية العربية المتحررة فان هذا العهد لم يستطع- مع ذلك- الصمود أمام المعارضة الشعبية العارمة التي ما فتئت تواجهه باستمرار، والتي أفضت- في المحط الأخير- الى الإعفاء عليه وإبادته بصورة نهائية وحاسمة، وذلك لان وجوده لم يكن يستجيب للاماني العربية الحقيقية في سوريا، ولم يكن يبدو- كما يجب أن يكون- سبيلا واضحا للوحدة المنشودة، كما أن القوامين عليه كانوا على درجة من الجموح في الفردية والشخصية لا يتفق والتفكير التعاوني الجماعي الفعال الذي تنهض عليه المبادئ الوحدوية العربية.

وهكذا توالت الأحداث، وكان من المعقول تفضي الزعازع السياسية العسكرية التي انتابت دمشق الى نهايتها، فأصبح في إمكان الشعب السوري أن يسترد حريته في الاختيار السياسي داخليا وخارجيا، وغدا من الميسور له حينذاك أن يتخذ سبيله الى الاتجاه الذي يتلاءم مع طبيعة تفكيره القومي العربي، وينسجم مع وجهته التاريخية الحتمية،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٤٨