تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح يقوم على أساس التعاون بين مصر وسوريا خاصة، وبعد أن غادره عمليا كل من السعودية والأردن- استطاع هذا الميثاق حينئذ أن يصمد طويلا أمام مختلف التيارات الدولية والإقليمية، ولم يكن للأسطول الأمريكي السادس في ربيع 1957 أن يتحيف من فعاليته وقوته، أو ينال من تماسك الوحدة التي كانت تربط بمقتضاه بين القاهرة ودمشق، ولهذا فقد كان طبيعيا أن يصبح اهتمام الغرب في منطقة الشرق الأوسط مركزا حول هذه الميثاق ومنصبا على محاولة تدميره ونسف قواعده كليا أو جزئيا، حتى يكون من ذلك سبيل إلى الأخذ بزمام المبادرة في المنطقة، وتحديد التيارات القومية العنيفة التي تصطرع في محيطها، وتم على هذا الأساس تخطيط الإستراتيجية السياسية والدبلوماسية التي كانت تستهدف في أساسها عزل مصر دوليا وإقليميا، وبالتالي عزل سوريا على نفس الصعيد الدولي والجهوي، وقد كان يبدو في أواخر ربيع سنة 1957 أن إستراتيجية العزل قد استوفت - في الواقع- كثيرا من شروطها، وأوضحت نتائجها في بعض الجوانب حقيقة واقعية، وقد تضخمت هذه الفكرة بالفعل وتجسمت مدلولاتها في أعين الكثير من المراقبين حيث صار من اليسير الاعتماد عليها في تقدير بعض الأفاق الدولية العامة في منطقة الشرق الاوسط، ولم تحجم ساعتها جريدة «التايمس» عن التأكيد بان «الصدمات» التي أحسها العرب نتيجة الاقدام على تأميم القناة ونشوب معركتي سيناء وبورسعيد- هذه الصدمات هي التي كانت أساسا لانعزال مصر عن المحيط العربي وبالتالي نجاح الحصار السياسي والاقتصادي المضروب حولها من جانب العالم الغربي ....

وكان من المحتوم أن تمتد إستراتيجية العزل- بعد ذلك- ليتم لها تطويق الجزء من عالم ميثاق التضامن العربي (سوريا)، وكان التكتيك هذه المرة ذا شعبتين أساسيتين: العزل ثم الامتصاص.

وألفى السوريون انفسهم- على الأساس- في بؤرة حرب سيكولوجية دولية محددة الأهداف والمرامي، واتخذت هذه الحرب صبغة أكثر حدة غداة رحلة المستر هندرسون إلى الشرق الأوسط وتأزم الوضع العسكري على كثير من النقط الهامة بالحدود السورية الإسرائيلية والعراقية، وعلى الرغم من الانفراج الجزئي الذي أعقب كل ذلك وأواخر سنة 1957 وأوائل سنة 1958 فان الإمكانيات الانفجارية المنبثقة عن تلك الفترة الدقيقة من الحرب الباردة لم تكن بعد قد فقدت كل فعالياتها واحتمالاتها المفاجئة المهولة.

في هذا الجو المثقل بالنذر والارهاصات كان انبلاج فجر الجمهورية العربية المتحدة، فبعد ما أفضت مخابرات الوحدة بين القطرين السوري والمصري إلى نهايتها الطبيعية والمحتومة، وبعد أن تم تدليل كافة العوائق المفتعلة التي كانت تقوم حائلا دون قيام هذه الوحدة أعلن في اليوم الأول من يبراير1958 اندماج سوريا ومصر في جمهورية عربية متحدة ذات كيان دولي متميز وشخصية قانونية متفردة، فكان ذلك إيذانا بانفتاح أفاق جديدة في حياة الأمة العربية الحديثة، واستجابة طبيعية لأعمق أحاسيس هذه الأمة ومشاعرها وانسجاما معقولا مع تيار التاريخ وتطوره. وقد يتساءل البعض: هل كان هناك من صلات وروابط بين التطورات الدولية التي شهدها الشرق الأوسط في أعقاب حملة السويس (1957) وبين قيام الجمهورية العربية المتحدة؟ هل من الممكن أن يكون للأجواء التي تمت فيها هذه التطورات أثر في فسح المجال لقيام هذه الجمهورية؟ هل كانت الوحدة إذن نتيجة حتمية للظروف الخارجية التي كانت تحيط بكلا القطرين الموحدين؟.

اننا في الواقع لا نستطيع أ، نجد في الظروف والأحداث تأثيرا جوهريا في الأمر، فقد كان هناك- كما قدمنا- من الدواعي النفسية والعقلية والتاريخية ما كان يجعل من الوحدة السورية المصرية أمرا طبيعيا ومحتوما ويبررها كضرورة دولية ملحة يحتمها التسلسل المنطقي التاريخي وتفرض وقوعها طبيعة التفكير القومي العربي الحديث، وإذا ما استقرينا ظواهر تاريخ الحركة التوحيدية العربية الحديثة- وخاصة خلال الحقبة الأخيرة التي نعيشها- أمكننا أن نستخلص كثيرا من الاستنتاجات الهامة التي لها صلة بهذا المقام والتي تؤكد- بحق- راديكالية العناصر النفسانية والفكرية التي أدت إلى قيام الوحدة الحالية:

لقد ارتبط تاريخ سوريا الحديث- وخاصة بعد مأساة فلسطين- بمشاريع الوحدة والاتحاد في أشكالها ودرجاتها المختلفة ولكن الوحدة- مع ذلك- لم تكن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٤٧