وبذلك أمكن للتيار الشعبي في سوريا- اذ ذاك- الذي كان قد أطاح بمشاريع الوحدة في صورها الماضية أن يسهم بشكل أساسي سنة 1958 في انجاز الوحدة مع الدولة المصرية وفي إطار الجمهورية العربية المتحدة، وهكذا تمت الوحدة بين البلدين العربيين في جو من الإجماع الشعبي يندر أن يوجد له معادل أو مماثل، اذ أن الشريك كان في هذه المرة بلدا متحررا من القيود التي يمكن ان تحد من قدرنه على أداء الرسالة العربية الخالدة أو تحول بينه وبين مقاومة التيارات المختلفة التي تستهدف تحريف هذه الرسالة، والنيل من سلامتها ومثاليتها الإنسانية الرفيعة، وبذلك جاز - بأقصى ما يمكن من السهولة واليسر- تحقيق الاندماج الفعلي بين سوريا ومصر غدا كل منهما يمثل طرفا لا يتجرأ من كيان موحد هو الكيان الماثل في نظام الوحدة المصرية السورية. انه من الميسور لنا - على ضوء هذا الاستعراض الموجز- ان نخلص الى تكوين الاستنتاجات الآتية:
1) كان مبدأ الوحدة- ولو على أساس اندماجي -مبدأ رئيسيا في ذهنية الجماهير العربية بالإقليم الشمالي الحالي وحقيقة أساسية من حقائق التطور التاريخي للفكرة القومية بهذا الإقليم.
2) كان التفكير التوحيدي عند هذه الجماهير تفكيرا واعيا ومتبصرا وهادف.
3) لم يكن للظروف تأثير هام في خلق هذا التفكير أو تحقيق نتائجه، وعلى افتراض فعاليتها فانه- مع ذلك - لم تكن عوامل تأسيسية خلاقة، بل أنها كانت فقط- اذا قدنا لها اعتبارها- عوامل حاثة ومعجلة ساعدت على الإسراع بقيام نظام الوحدة المصرية السورية دون أن تكون أساسا جوهريا في ذلك.
4) لم يكن الاعلان عن قيام الوحدة بين مصر وسوريا- بالصورة التي تم عليها تخطيط هذه الوحدة- لم يكن ذلك- في واقع الأمر- الا مجرد نتيجة منطقية لطبيعة العلائق التي كانت دائما بين الشعبين الشقيقين، وتسهم- فعليا- في التقريب بينهما وتوحدهما على صعيد التفكير والاتجاه والوسائل والغايات وتحدد وجهتهما الدائمة ومصيرهما الأزلي عبر الأجيال والقرون.
وعلى كل فان قيام هذا التنظيم التوحيدي العربي كان له الآثار والانعكاسات ما يذهب به بعيدا في الأهمية والخطورة فقد كان الحادث في جوهره وملابساته ونتائجه سابقة عربية معاصرة لم يتح للعروبيين مثلها منذ أحقاب بعيدة وقد كانت تمت بالفعل- من قبل- بعض أشكال من الوحدة بين العرب على أسس ثنائية أو جماعية أو شبه جماعية، الا أن الشكل الذي تمت به الوحدة بين مصر وسوريا يبقى مع ذلك متفردا بميزات أساسية تتيح له من الأمية والاعتبار ما لم يكن يتوافر للأطوار التوحيدية السابقة، ومن هذه الميزات:
1) سلامة قواعده: فقد كان تلقائيا وجماعيا ولم يكن يستمد وجوده من عناصر قسرية أو قهرية سواء من هذا الجانب أو ذاك.
2) طبيعة تكوينه- فقد نهض- ولو مبدئيا- على أحسن ما تنهض عليه المبادرات التوحيدية من تمازج وانصهار والتحام واذا كانت مظاهر الامتزاج النهائية لم تتم بعد فذلك لا يعني وجود مراجعات مبدئية أو أساسية (لان نقطة الانطلاق الأولى كانت شعبية كاسحة ولم تكن مفتعلة ولا مختلفة) وإنما ذلك ناشئ عن نوع الجهد الذي يقتضيه اكتساح مخلفات انفصالية متسربة دامت أحقابا بالرغم من أنها لم تكن طبيعية ولا عادية، ولا شك أ، الجهاز التنظيمي للوحدة الحالية كفيل بتحقيق القضاء على هذه المخلفات والرواسب وإتمام الشكل النهائي للدولة الموحدة في أكثر مظاهره قوة ومتانة وكمالا.
كل هذا بالاظافة الى بعض المزايا الأخرى ربما لا ينفرد بها نظام الوحدة السوري المصري عن غيره من البوادر التوحيدية التي عرفها العالم العربي في فترات تاريخية مختلفة، ولكنها- تبدو في هذا النظام اشد وضوحا وبروزا وأكثر فاعلية وتأثيرا، ومن بين هذه المزايا
3) قوة تماسكه، وليس له- في الواقع- الا ان يكون متماسكا، لان هناك من القواعد والأصول التي ينبني عليها ما يكفل له أكبر نصيب من الحصانة الممتنعة على عوامل البلى والانقراض، ومن أهم هذه الاصول: الوحدة الشعورية- الرغبة المشتركة-