هذا البروتوكول طيلة أيام مولاي الحسن، وحتى إذا توفاه الله وجلس ولده عبد العزيز على العرش فان الوزير احمد بن موسى قد عمل كل ما في وسعه على الاحتفاظ باستقلال المغرب واستقرار الأمن والنظام في ربوسه والإبقاء على مهابة الحكومة وجلالة العرش كما كان في عهد السلطان مولاي الحسن.
وفي الوقت نفسه اتبع خطة مولاي الحسن في سياسته الحكيمة وهي مقاومة التدخل والمحافظة على الاستقلال وإرجاع حقوق المغرب الضائعة والتخفيف مما يضر به من الالتزامات الدولية وذلك بإنشاء علاقات واتصالات بين جميع الدول المعاصرة، منها السفارة التي بعثها لاسبانيا سنة 1895 للمذاكرة حول معاهدة كانت ممضية بين الدولتين وفي نفس السنة بعث سفارة لانجلترا لاستخلاص مرسى طرفاية.
وهكذا ظل المغرب في عهده محتفظا بوضعه الدولي إلى أن مات رحمه الله، وكان الملك مولاي عبد العزيز قد بلغ رشده، وفي عهده حدثت حوادث وفظائع يشيب لها الرضيع حيث عمت الفوضى في جميع أنحاء المغرب واختل النظام، وانتشرت الحمايات والاضطرابات فمن ثورة أبي حمارة الجيلالي في الجنوب إلى ثورة الريسوني في الشمال الأمر الذي جعل البلاد تسير نحو الهلاك والدمار.
في هذه الظروف الحرجة التي كان يجتازها المغرب قرر مولاي عبد العزيز توجيه سفراء مندوبين لعواصم أوربا لطلب النصير من الدول العظيمة مثل فرنسا وانجلترا وألمانيا، وذلك للقضاء على هذه الثورات وإعادة الهدوء إلى نصابه، لهذا الغرض سافر وزير الحربية آنذاك المهدي بن العربي المنبعي لانجلترا، ومعه السيد عبد الرحمن بركاش والسيد الزبير سكيرج والسيد بوستة وعقد معها شروطا رسمية تحتوي على أربعة فصول، وسافر أيضا السيد عبد الكريم بن سليمان وزير الخارجية آنذاك إلى فرنسا وروسيا وألمانيا.
ولم يكد يمر زمن قليل على حكم عبد العزيز حتى تحولت قضية المغرب إلى قضية دولية ثار بسبها نزاع خطير بين الدول، ودام أكثر من عشر سنوات وهذه الدول هي فرنسا اسبانيا أبريطانيا ألمانيا، إلا أن فرنسا كانت أشدهم خطرا على المغرب ففي سنة (1800) حصلت على تنازل ايطاليا عن مطامعها بالمغرب وفي مقابل ذلك تنازلت هي لايطاليا عن مطامعها بطرابلس وفي 1804 أبرمت مع انجلترا اتفاقا يقضي بتنازل انجلترا عن مقاومة فرنسا في المغرب وهذه بتنازلها عن مصر وجزيرة (نيوفاولدلات) ولكن بشرط أن لا تقيم فرنسا أية استحكامات في شمال المغرب، وأبرمت سنتي (1904 - 1905) اتفاقيتان مع اسبانيا تعاهدتا على اقتسام المغرب عند ما يتيسر احتلاله.
ظنت فرنسا بعد ما أبرمت هذه الاتفاقيات كلها أن الجو خلا لها فبادرت إلى مولاي عبد العزيز تطلب منه إدخال الإصلاحات للمغرب، ولكنه عارض في ذلك اشد المعارضة وكان جوابه لسفيرها (سان ريني صلنديير): أن الحكومة المغربية لا تسمح لأية دولة منفردة عن باقي الدول في إدخال أي نوع من أنواع الإصلاحات. وكان من أهم ما اقترحه السفير وألح في التعجيل به هو إحداث شرطة في ثغور المغرب وضواحيه.
وما يزيد على ذلك وقوف ألمانيا إلى جانب المغرب، وعم اعتبار انجلترا عن مطامعها في المغرب كاف لإطلاق يد فرنسا فيه، وبهذه المناسبة زار إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني مدينة طنجة سنة 1905 وصرح بما يلي: (أنا أقوم بزيارتي هذه لملك المغرب مفتوحا للتدخل السلمي من جميع الأمم دون احتكار أو امتياز على أي شكل من الأشكال).
وعلى أثر هذا الصراع الطويل بين فرنسا وألمانيا الذي كاد أن يؤدي الى حرب عالمية عقدت الدول بدعوة من السلطان مولاي عبد العزيز ومجلس الأعيان مؤتمرا دوليا في مدينة الجزيرة الخضراء سنة 1906م وقد تضمن العقد إصلاحات تتعلق بنظام الشرطة وتكوين بنك مخزني، وتنظيم مالية المغرب، وتنظيم الجمارك، والقضاء على تهريب الأسلحة، ثم نص في فصل سادس على تنظيم الخدمات العامة.
وإذا كانت هذه المعاهدة قد ضمنت في مقدمتها استقلال المغرب وسيادته وحفظ وحدة أراضيه فان بقية فصوص المعاهدة نظمت التدخل الأجنبي في شؤون المغرب وتمييز فرنسا واسبانيا خاصة بحظوظ كبيرة.
كان السلطان مولاي عبد العزيز يفكر في ا، هذا العقد سيبقى كما كان في اوله، وتبقى علائقه مع فرنسا