تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد خرج هذا السفير المذكور إلى فرنسا أولا حيث استقبلته الحكومة المحلية هناك استقبالا باهرا فأكرمته بكامل الاعتبار والإجلال، وتلقى المارشال (مكماهون) رئيس الجمهورية الفرنسية ووزير الخارجية المسيو (دوك داكاز) الذي تفاوض معه بكل حفاوة ولطف.

ويقول المؤرخون ان دولة فرنسا هيأت له بعد سفره إلى بلجيكا قطارا خاصا وعربة تليق به وصحبه في ذلك خليفة وزير الخارجية والترجمان ولما أراد النهوض إلى مملكة اكريت بريط هيأت له كذلك بابورا خاصا.

والتقى بالمملكة الانجليزية (فيكتوريا) وأجرى معها بواسطة وزيرها الأول محادثات ومفاوضات، وهذا كتاب من وزارة الخارجية الانجليزية يشرح ما جرى من المفاوضات تقتطف منه ما يلي: «يا جناب السفير أن حكومة جلالة ملكة انجلترا قد أحلت محل الاعتبار رسالتكم المؤرخة ب 18 الجاري فيما يخص حماية الحكومات الأجنبية لجملة المغاربة القائمين بوظائف السمسرة أو النيابة لدى التجار الأجانب، وردا على رسالتكم المشار إليها أشعر سعادتكم بان حكومة جلالة الملك ليست لها رغبة في بسط هذه الحماية على المغاربة إلا بمقتضى نصوص الفصل الثالث من الاتفاقية المبرمة بين بريطانيا والمغرب في تاريخ 9 دجنبر 1856 وبمقتضى الفصل الرابع من الاتفاق التجاري والبحري الصادر في نفس التاريخ المذكور».

وقد دامت المفاوضة أياما حتى تم الأمر وفق ما يرام ويراد فرجع السفير المغربي إلى فرنسا لتتميم المسائل التي لم تكن قد تما هناك، ثم ذهب إلى ايطاليا فاقتبل السفير الملك الايطالي، وقدم إليه إلهية الملكية، فأظهر له ملك ايطاليا غاية الاعتناء والبرور.

ثم ذهب لمدينة جنوة ومنها إلى طنجة حيث رجع في مركب خاص حربي أعدته له الحكومة الايطالية، وهكذا خلف هذا السفير في مدن أوربا أثارا خالدة مما جعل من المغرب معركة للتسابق بين الدول الأجنبية للحصول على الحظوة لدى الملك، ونيل مصادقته أغلى بعض أمانيهم.

وبعد هذه السفارة بعث سفارة أخرى ثانية للرئيس (كارنو) الفرنسي ترأسها أولا السفير عبد المالك علي السعدي وثانيا الحاج محمد بن سعيد السلوي، وفي سنة 1894 وجه أيضا أبا عبد الله محمد فتحا والسيد عبد السلام بن محمد السوسي والحاج عبد الكريم بريشة التطواني سفراء له في دولة اسبانيا كما وجه الخطيب بن هيمة وعبد السلام بن رشيد والحاج محمد بركاش لالمانيا، وكانت له مع دولة البرتغال مكاتبات ومراسلات وتبادل السفراء من ذلك السفير (خسي دنيل كلاص) الذي قدم عند الملك بكتاب صادر من الملك البرتغالي لويز يقصد تجديد المحبة والمودة بين الجانبين، وكانت له مع جمهورية أمريكا علائق ومراسلات أيضا فمن ذلك كتاب الرئيس (هارسون) إليه منبئا بتأخير القنصل لويز عن خدمته بالايالة السعدية، وكانت له مع بلجيكا علاقات ودية ويظهر من ذلك أنه راسل ملكها (ليوبلد الثاني) جوابا عن كتاب بمناسبة نعي ولد أخيه.

وليس فيما سردناه من أعمال مولاي الحسن تجاه هذه الدول إلا نماذج من العلائق الدبلوماسية التي ظل مسيرا لها طول حياته ليظهر بذلك انه مخلص لها، ويرغب في صداقتها، وانه يريد أن يعاملها معاملة سليمة مبنية على المساواة والحقوق والاحترام.

وبقدر ما كان مولاي الحسن يجهد نفسه في المحافظة على استقلال المغرب إزاء كل دولة مسلمة كانت أو مسيحية، فانه كان يسعى دائما وأبدا في التمسك بالحياد، وعدم تفضيل أي دولة على الأخرى ويجتهد في إثارة المشاكل بين الدول حتى لا توجه أنظارها نحو المغرب المستقل.

وتعد معاهدة مدريد التي عقدت سنة 1890 من حسنات السلطان مولاي الحسن حيث كانت صالح المغرب لأنها وضعت حدا لنظام الحمايات ولطغيان النفوذ الأجنبي بالمغرب وهي أول معاهدة دولية عقدت للنظر في القضية المغربية ونقلها من دائرة المناقشات الضيقة إلى الساحة الدولية العامة، وقد حضرت في هذه المعاهدة الدول الآتية: المغرب، فرنسا، اسبانيا، انجلترا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، الدانمرك، الولايات المتحدة الأمريكية، ايطاليا، هولندا، البرتغال، السويد، وحضر نائبا عن المغرب فيها السيدان محمد بركاش والحاج عبد الكريم بريشة

إن هذه المعاهدة بعد أن تقدم الزمن قليلا أصبحت تهدد الحكومة بفوضى اجتماعية وسياسية، ولكن لم يقع شيء بموجب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٣٩