في أواخر أيامه مع الاسبانيين على حدود مدينة سبتة وهذا الخلاف أدى إلى نشوب معارك طاحنة بينهما تكبد الفريقان فيها خسائر فادحة، وكان رحمه الله يريد أن ينهي ذلك بطرق المفاوضات معتمدا في ذلك على الصداقة البريطانية، وق اظهر نائبه الخطيب لباقة في تسوية هذا الخلاف لكن مولاي عبد الرحمن مات قبل إنهاء القضية.
وتولى بعده ابنه المولى محمد، وأول شيء واجهه هو حل المشكلة العارضة بأي وجه كان، حيث أرسل الحاج محمد الزبدي الرباطي مندوبا جديدا لمباشرة نفس القضية التي كان النائب الخطيب يباشرها إلا أنه من المفهوم أن هذه المخاربات والمراسلات التي كانت جارية بين الدولتين إنما كانت صوؤية فقط في نظر دولة اسبانيا، والآمر الذي كانت مصممة عليه، مهما كانت الأحوال، هو محاربة المغاربة واحتلال أراضيهم وهكذا نجد دولة اسبانيا تستولي على مدينة تطوان فتقتل أهلها، وتنهب متاجرها وتخرب مساجدها وتقوم بأعمال منكرة، فكم من ذخائر، وكم من تحف وكم من كتب ومخطوطات وكم من وثائق ومستندات كلها ضاعت في أيدي الدولة العابثة الجانية، ولم يبق منها إلا الرماد والألم والحزن فاضطر المغرب لهذه الخسائر الفادحة أن يعقد الصلح مع اسبانيا. وتعهدت أخيرا بإخلاء تطوان تحت تأثير التدخل الانجليزي خمسة شروط وهي:
- تسليم المغرب لاسبانيا أراضي قرب سبتة وأرض في جنوب المغرب.
- أن تدفع الحكومة المغربية لاسبانيا الخسائر الحربية وقدرها عشرون مليونا من الريال.
- منح اسبانيا امتيازات تجارية.
- السماح للرهبان ببناء كنيسة بفاس.
- السماح لممثليها بالسكنى في العاصمة.
ومم حضر على هذه الشروط واتفق المولى العباس خليفة ملك المغرب ورئيس الجيش المغربي، والحاج محمد الخطيب نائب السلطان بطنجة والجنرال اودينيل رئيس الجيوش الاسبانية، وقد وقعت يوم 25 مارس سنة 1860.
وبعد جلاء القوات الاسبانية عن مدينة تطوان تحسنت العلاقة الاسبانية المغربية نوعا ما، وعقدت معاهدة بين الدولتين سنة 1861 بمقتضاها سمح للأسبان بامتيازات منها حق حماية رعاياهم مثل الفرنسيين.
وبالجملة فان السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمن شاهد حربين في حياته، حربا مع فرنسا وحربا مع اسبانيا، لذلك أخذ يعمل بعد هذين الحربين، كل ما استطاعته على أن لا يرى حربا ثالثة وذلك بقضاء حياته في ترضية جميع مطالب الأوربيين، وحصر همته في عقد المعاهدات الدولية مع جميع الدول، وكثيرا ما كان يوجه الوفود إلى أوربا لتنهي معها جميع المشاكل، وكثيرا ما كانت هذه المشاكل في غير صالح المغرب، من ذلك المعاهدة التي وقعت بين فرنسا والمغرب سنة 1867 فأعطت لفرنسا امتيازات لم تكن لها ولا لغيرها من قبل، وفتحت أبوابا للتدخل الأجنبي في شؤون البلاد كيفما شاءت تحت التملك، وبحق الحماية، وبحق التمثيل القنصلي وغير ذلك من الأسباب التي كانت تحط من قيمة المغرب وتسير به إلى هاوية الظلام الدامس.
هذه المعاهدة المجحفة التي سبقت فيها فرنسا جميع الدول لفتح طريق شرعي للتدخل في شؤون البلاد، بعد أن مر عليها قرن كامل لم تتقدم هذه الدول ولو خطوة تذكر. معاهدة مجمدة ليست بذات فائدة حتى أواخر القرن التاسع عشر حيث أصبحت المطامع الاستعمارية تتشكل بصورة أوضح وأوسع.
وإذا كان المغرب لم يسقط فريسة للاستعمار الفرنسي في أواخر هذا القرن فلا يرجع السبب في ذلك إلا للموقف العظيم الذي وقفه آنذاك المتربع على العرش السلطان مولاي الحسن، هذا الملك الذي استطاع بحكمته وبعزيمته أن ينهض بالبلاد بعد كبوتها نهضة الشهم الكريم، وأن يحمي الاستقلال المغربي طول حياته بسياسته الرشيدة التي عرفت كيف تستغل تزاحم الدول على البلاد، وان يكسب صداقة أغلب دول أوربا واحترامهم لشعبه وعرشه، فكان دائما يبعث الوفود إلى الحكومات الأوربية لتتمكن عرى الصداقة بينها وبين المغرب، فمن ذاك إرساله للسيد محمد الزبيدي سفيرا وباشا دورا له إلى كل من فرنسا وبلجيكا وايطاليا وانجلترا، وأعطاه أموالا وهدايا فاخرة للعظماء وتأكيدها مع هذه الدول وتقرير ما عنده من الاعتناء بجانبهم.