تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مختلفة متعددة تبين لنا أن الجمال إن كان واحدا في جوهره فان أشكاله لا حصر لها، ثم رأى في الطبيعة صورة القوة والعافية وصورة الحب الكامل الذي يترفع عما تتضمنه تلك القوة في أن واحد من عنف ولين وقساوة وعطف وكبرياء وذل، فعبر لنا عن هذه المتناقضات المجتمعة، أو بالأحرى، هذه الجدلية بكل ما يملكه الفن من وسائل أخاذة.

وهكذا، فان الشاعر الأوربي، أثناء تنقله بين ذاتيته والعالم الخارجي، يحملنا معه إلى عوالم مختلفة لا نهاية لها ويتيح لنا الفرصة لنعيش أمام مشهد الطبيعة أحولا نفسية عميقة تتأجج بين الأمل والتشاؤم وبين السرور والأسى وبين الثورة على الواقع والتشبث بالمثل الأعلى.

شعراؤنا بين التقليد والتجديد:

قد يتساءل القاري، بعد هذه النظرة العجلى، عما ابتكره شعراؤنا المعاصرون في هذا المضمار وهل استطاعوا أن ينتهجوا سبلا جديدة ويفتحوا أمام أعيننا أفاقا كانت مجهولة.

ونلاحظ بادئ ذي بدء، أن هناك فرقا جوهريا بين التغيير والتجديد، فالتغيير قد ينبني على أساس التقليد والاقتباس من الغير، أما التجديد، بمعناه العميق، فهو ابتداع الصورة الفنية التي لا يوجد لها نظير فيما سبق.

حقا، لقد تأثر كثير من شعرائنا المعاصرين بثقافتهم ودفعهم إعجابهم بها إلى اقتباس نماذجهم ومثلهم منها، وراحوا ينظمون شعرا يختلف كل الاختلاف عن القديم ويحاول أن يرضي حاجتنا إلى شعر عربي يلائم عصرنا وعقليتنا، ولكن، هل استطاعوا أن يتحرروا من نماذجهم الغربية فيأتوا من عندهم بمفهوم جديد ويفاجئونا بصور وألوان لا عهد لنا بها؟ وبعبارة أوضح، هل استطاعوا أن يخلقوا لشعرنا العربي المعاصر شخصية جديدة واضحة المعالم لا تختلف في قوتها ومتانتها عن شخصيته القديمة؟ أم هل رضوا له بشخصية مترددة متطامنة مهجنة باهتة؟.

هذا سؤال، بل هو أهم سؤال يمكن أن يلقى على شعرنا المعاصر، وليس في نيتنا ولا في مستطاعنا أن نجيب عنه الآن جوابا كافيا، وإنما نكتفي، فيما يخص موضوعنا بان نلاحظ أن شعراءنا المعاصرين فيما نظموه عن الربيع والطبيعة، لم يخرجوا عن المفاهيم والأفكار التي وجدناها عند بعض شعراء أوربا.

ومع ذلك، فلا مندوحة لنا، إحقاقا للحق، من أن نعترف لهم بالمجهود الذي بذلوه من حيث الأسلوب ومن حيث تعبيد اللغة وترويض الجملة الشعرية العربية على تقبل المعاني الجديدة واستيعابها.

* * *

فمن الأفكار التي وجدناها عند الأوروبيين فكرة براءة الطبيعة وخلوصها من شوائب الخبث البشري وتنزهها عن التعقيد والنفاق والتصنع، وهذا ما توفق خليل مطران إلى تصويره في القطعة التالية:

أيها الروض كن لقلبي سلاما *** وملاذا من الشقاء الملازم

زهر ذابل كأني أراه *** ثملا من أنفاسـ في الكمائم

وغدير صاف أقام سياجا *** حوله باسق من الدوح قائم

تتناغى بيض من الطير فيه *** سابحات وتحتها النجم عائم

كيفما سرن فالطريق عقود *** نظمت من محاجر ومباسم

حبذا البدر مؤنسا يتجلى *** كحبيب بعد التغيب قادم

حبذا رسنه البرايا كأبهى *** ما ترى العين في صحيفة راسم

حبذا الماء والمصابيح فيه *** كبنان يزينها بخواتم

جنة بانت المكاره عنها *** وهي بكر من الأذى والمحارم

إنما أهلها طيور حسان *** إن دعاها الصباح قامت تنادم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٢٧