وقد توفق الشاعر في هذه القصيدة إلى التعبير عن أفكار جديدة، ولكن بأسلوب السعر العربي التقليدي بحيث لا يحس القارئ لأول وهلة بمجهود التجديد الذي بذله مطران بذوق وكياسة.
إلا أن التجديد الحقيقي ما كان ليتناول الأفكار وحدها دون الأسلوب، فالفكرة الجدية تتطلب تعبيرا جديدا، وما اللغة إلا لباس للأفكار يتغير كغيره من أنواع اللباس تبعا لتطور الإفهام وانتقال المجتمع من مرحلة في هذه الطريق الطويلة التي لا تنتهي والتي رسمها التاريخ للإنسانية في سيرها.
وقد استطاع شاعر مثل أبي القاسم الشابي أن يعبر عن فكرة مثالية الطبيعة وبراءتها بهذا الأسلوب الجديد الذي يبرهن على أن اللغة العربية لا زالت تطيق الحياة بأوسع معانيها ولا زالت على كامل الاستعداد للنزول إلى ميادين السباق لتباري لغات هذا العصر المشهورة، فلننصت إليه في قصيدة: «الجنة الضائعة»:
«كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النضير فضية الأسحار مذهبة الاصائل والبكور كانت أرق من الزهور زمن أغاريد الطيور وألذ من سحر الصبا في بسمة الطفل الغرير قضيتها ومعي الحبيبة لا رقيب ولا نذير ولا الطفولة حولنا تلهو مع الحب الصغير أيام كانت للحياة حلاوة الروض المطير وطهارة الموج الجميل، وسحر شاطئه المنير ووداعة العصفور بين جداول الماء النمير أيام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور وتبع النحل الأنيق وقطف تيجان الزهور وتسلق الجبل المكلل بالصنوبر والصخور وبناء أكواخ الطفولة تحت أعشاش الطيور»
لقد توفق الشاعر في المقابلة بين طفولته وصور الطبيعة في براءتها، وأبو القاسم الشابي حينما يتحدث عن الطبيعة، فانه يرى فيها العالم الذي تطمح إليه نفسه والذي يتناقض كل التناقض مع عالمه الواقعي الذي هو عليه ناقم ومنه يائس، فلنقف لحظة عند قصيدته «في ظلال الغاب» الذي يبدؤها هكذا مستعطفا مترجيا:
«يا ليت شعري، هل لليل النفس من صبح قريب فتفر عاصفة الظلام .. وتهجع الريح الغضوب ويرتل الإنسان أغنية مع الدنيا طروب؟ ما للرياح تهب في الدنيا، ويدركها اللغوب إلا رياحي، فهي جامحة تمردها عصيب؟ مالي تعذبني الحياة كأنني خلق غريب؟ وتهد من قلبي الجميل، فهل لقلبي من ذنوب؟»
وفي مقطع آخر يصور لنا منظر الطبيعة لدى الغروب ويقابله بشقاء الإنسان:
«يا مهجة الغاب الجميل، لم يصدعك النحيب؟ يا وجنة الورد الأنيق، ألن تشوهك الندوب؟ يا كوكب الشفق الجميل، وأنت مبتهل الكئيب لج في السماء .. وغن أبناء الشقاوة والخطوب أنشودة تهب الحياة لكل مبتئس غريب فالطير قد أغفت وأسكب صوتها الليل الهيوب وابسط جناحك في الوجود .. فانه عذب خلوب متألق بين النجوم كأنه حلم طروب وأنشر ضياءك ساطعا لينير أعماق القلوب فعلى جوانبها من الأحزان ديجور رهيب»
ثم يصور لنا في مقطع آخر عالمه الواقعي الذي يخيم عليه اليأس والقنوط:
«ما للمياه نقية حولي، ومنفجري مشوب؟ ما للصباح يعود للدنيا وصبحي لا يؤوب؟ مالي يضيق بي الوجود، وكل ما حولي رحيب؟ مالي وجمت، وكل ما في الغاب مغترد طروب؟ مالي شقيت، وكل ما في الكون أخاذ عجيب؟»
ونلاحظ في الأخير أن أبا القاسم الشابي، بالرغم من يأسه وتشاؤمه، ينزع منزع لامارتين في التطلع نحو عالم مثالي، وأن كانت مثالية لامارتين أعمق وأرقى وأوسع إنسانية.
يتبع