برونو» (1548/ 1600) فالعالم في نظر هذا الفيلسوف لا ينبغي أن نتمثله في مجموعة من الكائنات المبعثرة في شكل فضوي لا تربط بينها أية رابطة، بل أن له روحا سارية في كل شيء، وهذه الروح هي التي تبعث الطبيعة على خلق الأجناس والأنواع وتوجد بين شتيت الموجودات وتسليمها قبسا من جمالها، فكل شيء سواءا كان جمادا أم نباتا أم حيوانا إلا وفيه جزء من روح العالم، وهكذا، فان الكون الذي نشاهده وندركه بسائر حواسنا ما هو إلا ظل لتلك الوحدة التي هي القانون الأساس للوجود.
فإذا انتقلنا إلى القرن الثامن عشر نجد احد نوابغ كتابه «جان جاك روسو» قد أعار الطبيعة كثيرا من اهتمامه وخصص لها صفحات طويلة تعد من أروع ما كتب بالفرنسية، وروسو حينما يكتب عن الطبيعة، فانه يصفها بتدقيق ووضوح ولا يحاول أن يزينها بما ليس فيها أو أن يكسوها باردية ينسجها سحر الخيال، ومع ذلك فان صفاحاته تلك تمتاز بلهجتها الجديدة بالنسبة لعصرها وبما تنطوي عليه من أفكار طريفة الطبيعة والمجتمع.
لقد عرف روسو بعد انسجامه مع المجتمع وبنقمته على حياة الصالونات الراقية التي كانت ملتقى للارستقراطية ولرجال الفكر والقلم، فهو يرى في تلك الصالونات أوكارا للنفاق والغش والخداع والمكر، بالرغم من مظاهر الوداد والمجاملة التي تسودها.
لذلك، فانه حينما يلتفت إلى الطبيعة، يجد فيها ملاذا من مصائب الحياة الاجتماعية ومتاعبها، وتقابله صورة الطبيعة بوداعتها وصفائها فيزداد تعلقا وشغفا بها، ويدفعه هذا الشغف إلى المبالغة في تفضيل في أحضان الطبيعة على الحياة في الحاضرة، وبالتالي، في تفضيل الرجل المتوحش على الرجل المتحضر، وهكذا خلق روسو أسطورة «المتوحش الطيب».
وكذلك فعل «شاتو بريان» لكنه خص بنشره الشعري مناظر البحر التي كان أميل إليها لأنه نشأ وترعرع وسطها، كما كان للمناظر الطبيعية في الأقطار النائية كأمريكا والشرق نصيب وافر من كتابته الساحرة، والفكرة الطريفة التي تنم عنها كتابته هي ذلك الشعور الذي يثيره في نفس القارئ والذي يحار الإنسان في تسميته، مما جعل بعض أبناء جيله يسمونه «مرض العصر» وهذا يشير إلى ما قد يخلقه منظر الطبيعة من حزن كامن في عمق النفس، حزن ليس بالقوي ولا بالعنيف ولكنه مستقر لا يريم مكانه، فهو كالسامة التي تخيم دوما على النفس.
والشاعر «لامارتين» وان كان يستقي من نبع واحد مع شاتويريان إلا انه يختلف عنه بما يشع في قصائده من أمل وتفاؤل، فهو مثلا، في قصيدته المعنونة «العزلة» يصور لنا قعوده تحت شجرة البلوط فوق جبل من حيث يطل على النهر والبحيرة ويشاهد الشمس عند غروبها وما ترسله من أشعة على الكون ولكنه سرعان ما يدرك أن هذه المرائي الجميلة لا تحقق رغباته الكامنة، فيصرخ:
«وماذا تفيدني هذه الوديان والقصور والأكواخ؟
أليست هي إلا أشياء فارغة فقدت كل جاذبية بالنسبة لي؟
أيتها الأنهار والصخر والغابات، أيتها المآوي العزيزة علي
إذا غاب عنكم مخلوق واحد، أصبحتم قفرا يبابا».
وهكذا ينزل في لا مارتين حركة ثانية إلى وهدة اليأس والحزن، ومع ذلك فلا تستمر به هذه الحل حتى يعاوده الأمل ثانيا، فيتجه بفكره وقلبه إلى عالم مثالي، عالم بعيد عن دنيانا، عالم يرى فيه الشاعر الأمل والحب وصور الخير والحق والجمال، فتنبعث من نفسه الزفرة:
«لماذا أظل فوق أرض المنفى؟
فليس بيني وبين الأرض أية رابطة».
فنحن مع شعراء الغرب وكتابه عند ما نتصفح ما كتبوه عن الربيع والطبيعة، نشعر أننا انتقلنا إلى عالم مرتفع يتضاءل أمامه الكيان الإنساني بأنواع نقصه وضعفه ويحاول - مع ذلك- أن يعثر في ثناياه على صور متجددة للجمال، فقد توفق الشاعر في أن يصور لنا عظمة الكون وجلاله وهيبته، كما استطاع أن يكشف لنا عن جانب البراءة والوداعة والصفاء في الطبيعة فينقلنا معه إلى دنيا تجهل أدران الحضارة ومنغصاتها، ثم خطر له أن يثير في نفوسنا الشعور بتنوع الجمال في الطبيعة فرسم لنا عن ذلك صورا