تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 .................... ص34

الربيع في الشعر العربي

للأستاذ محمد زنيبر

-4 -

لا بأس إذا حاولنا في مقارنة قصيرة أن تبين الفرق بين ما وجدناه عند شعرائنا العرب من نزعة فلسفية في شعر الطبيعة وبين ما ينم عنه شعر الأوروبيين في فلسفة أو فلسفات في الموضوع نفسه.

تعدد الاتجاهات عند الشعراء الأوروبيين:

وأول ملاحظة يجب أن نبديها في هذا الصدد هو أن الشعراء الأوروبيين اختلفت نظرتهم إلى الطبيعة تبعا لعصرهم وشخصيتهم، بحيث نجد أنفسنا أمام تجارب شعرية متعددة تلقي على الطبيعة أضواء متنوعة في ألوانها وفي ما تحمله من إيحاء.

لنتبع نوعا ما التسلسل التاريخي، فنحن عندما نلقي نظرة خاطفة على شعر الطبيعة في عصر الانبعاث الأوروبي أي في القرن السادس عشر، نجد إلى جانب النزعة الاستمتاعية التي قد تلمح في مقطوعات لشعراء أمثال «رونسار» الفرنسي، نزعة أخرى ترى في ظواهر الحب والجمال المنبثقة عن الطبيعة رموزا وأسرارا عميقة وتحاول أن تكشف لنا ما وراء تلك الرموز والأسرار.

لنفتتح مثلا ديوان «العاب ريفية مختلفة» لذي خصصه الشاعر الفرنسي «جواشان دي بيللي» لتصوير الحياة الريفية ولنقرأ قصيدته التي عنوانها «أنشودة الحب والربيع»، فالشاعر ينبئنا في هذه القصيدة أن ميلاد الربيع يبعث في نفسه الشعور بقوة خارقة توقظه إيقاظا جديدا وتلهب في فؤاده هياما يخرج به عن طور الرشد، وهل هذا الهيام إلا وليد الحب الذي يخيم على الكون ويتحكم فيه ويلائم بين متناقضاته ويوجد بين أعضائه ويسطر النظام السرمدي الذي تتمشى عليه أجناس الكائنات؟ والربيع إنما هو تعبير بليغ يتجدد كل سنة عن هذا القانون، قانون الحب الذي ما هو إلا صورة من صور وحدة الوجود، ويستنجد الشاعر بهذا الحب ليمده بحرارته وقوته ويلهمه الشعر الجميل فيقول:

«فلتكوني يا أناشيي من الحب *** حتى أحلق على أجنحتك

واحصد زهرة البراري *** التي تعيش فيها الفتيات التسع الخالدات»

والفتيات التسع هنا إشارة إلى ربات الشعر عند اليونانيين، ثم يقول

«فإذا كانت العصافير النشوى *** فوق الأزاهير الطرية

تتغنى بحبها *** وسط الغابات المتجددة،

فلم لا أتحدث أنا *** عن سروري الوحيد في الحياة

مادام الحب يرغب في ذلك *** وما دامت السماء تدعوني إليه؟»

فالربيع، إذن، رمز للقوة المتحركة النامية الطافحة، وهذه القوة تتمثل في انبثاق الزهور وزقزقة العصفور وأصوات السوائم والأنعام ولمعان الشمس وفي خلجات النفس البشرية أيضا.

هذا مجمل للأفكار التي تنبثق عنها تلك القصيدة وغيرها من الأشعار التي قيلت في عهد الانبعاث الأوروبي، وما هي إلا صدى للفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي عرفت نوعا من الازدهار في نفس العصر والتي نجد لها صورة لماعة في مذهب الفيلسوف الايطالي «جيرو دانو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٢٥