«الانتداب» أو «» «الوصاية» على بلد ما لدولة كبرى هو نموذج عملي على تحقيق غايات الدول العظمى باسم القانون العام، وهذه الغايات هي استدلال واستغلال الدول الصغرى لحساب الدول الكبرى، هي انتقاص لحياة الشعوب الضعيفة لرفع مستوى حياة الشعوب القوية.
وهيئة الأمم المتحدة القائمة ليست إلا صورة مكررة لعصبة الأمم السابقة في قانونها، وفي أهدافها، ولذلك يوم أن رأت بعض الدول الكبرى في الماضي القريب، أن مصالحها الاستعمارية لم تتحقق- لان أغلبية الدول الأعضاء في هذه الهيئة عارضت هذا الجشع الاستعماري- أعلنت أنها لم تعد صالحة للفصل في القضايا الدولية، والمشاكل بين الشعوب.
ويتجلى هذا في مشكلة قناة السويس في نوفمبر سنة 1956 ..
ولان الفلسفة نشأت عن محدودية الإنسان، ولان القانون نشأ على هذا النحو أيضا- كانت الخصومة المذهبية طابعا للفلسفة، وكانت المفارقات الواضحة في القوانين الخاصة، وللتفسيرات المتباينة للقانون الدولي العام، ظاهرة مصاحبة للقانون الوضعي.
يضم إلى هذه النتيجة- وهي أن الله غير محدد وغير محدود فيما يوحي به لصالح البشرية وأن الإنسان على عكس ذلك- شيء رئيسي آخر يلحق الفلسفة، ويلحق القانون. وهو أن من يتبع المذهب الفلسفي، أو من يجب عليه أن يطيع القانون، يسير في إتباع، وفي طاعته، على أساس أن ما يتبع وما يطاع هنا ليس إلا صنعة البشر. ومعنى ذلك ليس فيها عصمة، وليس توكيد للحق والعدل. أن هو إلا ظن إنسان، قد أخلص فيما أتى به من صنعة فلسفية، أو قانونية، وهذا الشعور لدى التابع أو المطيع يؤدي إلى عدم التحمس في التزام التبعية ووجوب الطاعة، أو يؤدي إلى توقيت التبعية، وتوقيت الطاعة، ومن شأن هذا التوقيت التراخي في السير نحو هدف المذهب الفلسفي، ونحو غاية القانون. وبما أن هدف الفلسفة، وغاية القانون، هي الحرص على فعل الخير، ففعل الخير سيصير حتما إلى التوقف، كلما كثر التراخي في التبعية والطاعة، أما للمذهب الفلسفي أو القانون: فمحدودية الإنسان إذن عيب في الفلسفة والقانون.
وصنعة الإنسان في الفلسفة والقانون أيضا سبيل إلى عدم العصمة.
وعدم العصمة سبيل إلى التراخي في التبعية والطاعة.
والنتيجة أن قوة الفلسفة ليست في ذاتها، بل في تكرار الدعوة إليها.
وقوة القانون ليست في ذاته، وإنما في السلطة القائمة على تنفيذه.
أما الدين فقد خلا من هذين العيبين، فالله بعيد عن المحدودية، وبعيد عن الخطأ، فقيمة الدين اذن، بالنسبة للفلسفة والقانون، قيمة ذاتية.
ويوم يستحيل الدين إلى فلسفة أو قانون، فهناك إمكان لعودة إلى دين مجرد عن الفلسفة والقانون. طالما مصدره الأصيل مصون عن التحريف والتبديل. وعندئذ تبقى له قيمته الذاتية، كدين، ومعنى ذلك أن الخطر الذي يلحق الدين بصنعة الإنسان، يمكن أن يبعد عنه، بإبعاد تلك الصنعة عن أن تأخذ قداسته، وعصمة أصوله.
وهناك شيء آخر، وراء عصمة الوحي في الدين، ووراء عدم محدودية الله في رسالته للبشر، مما يتميز به الدين عن الفلسفة والقانون.
هناك في الدين أيضا ضمير الإنسان الذي ينشأ عن الخشية من الله، وهو بمثابة السلطة التنفيذية للقانون ولكنها سلطة تنفيذية ذاتية، وليست خارجة عن ذات الإنسان صاحب الضمير الديني.
أما المتبع للقانون فانه يتبعه لسلطان الدولة المشرفة على تنفيذه. وعندئذ اذا خفت رقابة الدولة زال اثر القانون، وانكمش وجوده بالتالي. وهنا في دائرة القانون يحتاج الأمر إلى شيئين معا: إلى نص القانون، والسلطة التنفيذية، بينما في دائرة الدين يتوقف الأمر كله على الإنسان المعتقد وحده.