وذاك الإنسان الأخر يرى أن الخبر في عزلة الناس والبعد عنهم، وفي عزلة الحياة عامة، والاعتكاف عن ملذاتها وعام يتنافس فيه الناس من متعها.
فبمقدار ما يندفع الأول إلى تحصيل متع هذه الحياة، التي يراها متعا من زاوية وجوده الشخصي، بمقدار ما يقف الثاني موقفا سلبيا من هذه المتع، والإنسان الأول هو الإنسان الشخصي أو الوجودي، والثاني هو الزاهد البرهمي (أو الصوفي).
وبينما نجد بين الفلاسفة أيضا من يحدد الخير، بأنه ما أصاب منفعته أكبر عدد ممكن من الناس، وهو الفيلسوف المثالي، إذا بنا نجد فيلسوفا آخر يحدد الخير بأنه: ما أصاب منفعته الجماعة الخاصة به أو بأمته وهو الفيلسوف الواقعي.
نجد من بين الفلاسفة من يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، فان توقف تحصيل المنفعة على الوشاية والمؤامرة، أو على القتل جزافا وجملة، أو انتهاك العرض، فالوسيلة مشروعة، فحرب الإبادة في الجزائر مثلا عمل مشروع في نظر المستعمر الفرنسي لأنه سيوصل إلى تمكين استعماره هناك من استغلال ثروة البلاد الجزائري الاقتصادية والبشرية. فتمكن الاستعمار غاية، وهي غاية مشروعة لمصالح الاستعمار الفرنسي فالوسيلة لهذا التمكن الاستعماري مشروعة كذلك.
وتأخذ مشروعيتها من النفع المرتقب. وإذ نجد مثل هذا الميكيافلي، نجد فيلسوفا آخر ينصح بعمل الواجب لذات الواجب، بعمل ما يجب على الإنسان لصالح نفسه وصالح جماعته وصالح الإنسانية، دون ترقب جزاء عليه، ودون ترقب ثناء أدبي أو مكافأة مادية، وهذا هو الفيلسوف الواجبي.
نرى من الفلاسفة من ينصح بإفناء الفرد في الجماعة، فتكبت حرية الفرد، ويصادر ملكه، ويجبر على تصرفه لصالح الجماعة التي هي الأمة. فالحياة إذا للجماعة لا للأفراد. ثم نرى في مقابل هذا فيلسوفا آخر يرى أن الجماعة يجب أن تكون في خدمة الفرد، وأن تعمل في سبيل سعادة الفرد. فللفرد حريته في التجارة وفي الاقتناء وفي إبداء الرأي وفي العقيدة وفي التمذهب بالمذهب الذي يراه في حياته. له أن يعيش في ظل عرف المجتمع وعاداته وله أن يخرج عن هذا العرف. وهذه العادات. وسيان، بعد ذلك فقر غيره، أو شقوقه، أو جرح عواطفه، وإحساساته. والرأي الأول يعرف بالمذهب الاجتماعي أو الاشتراكي، والثاني يعرف بمذهب الحرية الفردية.
هذه أمثلة لاختلاف الفكر الفلسفي، واختلاف المذاهب الفلسفية. ويرجع هذا الاختلاف إلى كون الفكر محدودا، بحياته الخاصة والعامة.
وفي القانون لا يختلف الأمر عنه في الفلسفة. لان التقنين يقوم على أسس وفكر فلسفية. يقوم على نظرة المشرع (والمشرع هو الدولة في العصر الحديث) إلى الحياة. ونظرة الدولة إلى الحياة تختلف باختلاف نظام الدولة نفسها:
هذه دولة شيوعية لها قانون يحفظ الوضع الشيوعي بين أفراد الأمة. وهذه دولة رأسمالية لها قانون يصون الحرية الفردية إلى أبعد حد في استخدام رأس المال. وهذه دولة اشتراكية اجتماعية لها قانون ودستور يحدد علاقة الأفراد بالدولة والدولة بالأفراد، على أساس من الفكرة الاشتراكية الاجتماعية، وهي رعاية العدالة الاجتماعية بين الطبقات. وهذه دولة ملكية، يقوم قانونها على صيانة العرش وتقديسه. وهذه دولة جمهورية يقوم قانونها على تأكيد حقوق الإفراد في الوصول إلى رياسة الجمهورية.
هذه جماعة يهودية يقوم قانونها على رعاية التقاليد والعادات والمعتقدات اليهودية في الأحوال الشخصية وتحديد العطلات السنوية وأنواع المأكول والمشروب، والطريقة التي يتناول بها الأكل والشرب إلى غير ذلك في الحياة العملية.
وهذه الجماعة مسيحية، دينية، أو بوذية، أو وثنية، أو إسلامية، لابد أن يتضمن قانون كل منها تقاليدها الخاصة وعاداتها، ومعتقداتها التي لها وحدها.
وإذن سبب هذا الاختلاف في الدساتير والقوانين هو كون الإنسان «محدودا» كذلك. ومن هنا نشأ في القانون ما يسمى بالقانون الخاص، وما يسمى بالقانون العام. والقانون الدولي مع ذلك يغلب عليه طابع التحيز للدولة القوية وعاداتها وغاياتها، وأهدافها في الحياة.
وكذلك المؤسسات الدولية، كعصبة الأمم سابقا، والأمم المتحدة في حاضرنا، فان قوانينها وأن اتسمت بالطابع الدولي العام، فإنها تقوم وتهدف إلى تحقيق غايات الدول الكبرى، وهي الدول القوية، فعصبة الأمم كانت وسيلة مشروعة من الوجهة القانونية لتحقيق استعمار الدول الضعيفة أو الصغيرة عن طريق الأمم الكبرى. وما جاء به قانونها مما عرف ب