تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يتحول إلى فلسفة كتلك التي أنشأها الإنسان بصنعته العقلية بادئ ذي بدء. ومع أنه أيضا يمكن أن يصبح قانونا، فانه لا يتحول إلى قانون كهذا الذي شرعه الإنسان ووضعه بتقديره الخاص منذ البداية. بل تبقى لفلسفة الدين، وقانون الدين، وخصائص الدين أو طابعه العام. وخصائص الدين أو طابعه العام أنه موحى به من الله، و أن على الإنسان أن يؤمن به، وأن يطيعه في غير تردد، وفي غير شك، عليه أن يرضى به رضاء نفسيا، وأن لم يدرك كل أسراره وعلله، لأنه من الله الذي يختلف عن الإنسان، وفوق الإنسان، هو من صاحب الأمر، وصاحب الرعاية العامة، والذي لا يستطيع الإنسان أن يحدده ويدرك حقيقة ذاته عند ما يتصوره.

والفلسفة قد تصبح عقيدة، وقد يصبح القانون عقيدة أيضا، ولكن إذا أصبحت الفلسفة أو القانون عقيدة، فانه لا يصير إلى طبيعة الدين السابقة، وإنما يصير إلى طبيعة التقليد أو «العرف» في الجماعة، لا يصير احدهما إلى طبيعة الدين لأنه صنعة الإنسان وسيبقى كونه من فعل البشر مصاحبا له في صيرورته.

وإنما يصير فقط إلى طبيعة التقليد، أو طبيعة العرف في الجماعة من حيث انه واجب الأتباع. فقد أصبح عندئذ من المتوارث في الجماعة.

وإذن هناك فرق جوهري بين الدين من جانب، والفلسفة والقانون من جانب آخر. هناك في جانب الدين، كونه من الله، وهنا في جانب الفلسفة أو القانون كون كل واحد منهما من الإنسان. وإذا طلب الدين من الإنسان أن يفعل الخير، وناشدت الفلسفة، أو هدف القانون في تطبيقه إلى الخير في فعل الإنسان، فالفرق مع ذلك باق بين الدين من جانب، وبين الفلسفة والقانون من جانب أخر، إذ مطلوب الدين- وهو فعل الخير- قائم على أنه هداية اله، بينما مطلوب الفلسفة أو القانون يرجع إلى أنه من تأمل الإنسان.

وهنا تنحصر الموازنة بين الله والإنسان في تحديد الخير، ورسم طريقه، وتحديد الجزاء الذي يناط بفعله أو تركه: واله باعتبار أنه رب الجميع، ومستغن عن الجميع، ومستعل على الجميع- يحدد الخير بما فيه مصلحة الجميع، ويرسم طريقه، بما يكون ميسرا للجميع، ويحدد الجزاء على فعله وتركه، بما يناسب أثر هذا الخير في صالح الناس جميعا، ويلتئم مع طبيعة أنفسهم الغابية.

وليس لله غرض، وليست له حاجة قريبة أو بعيدة في تحديد الخير الذي ينصح بأتباعه. وكذلك لم يتأثر بأي مؤثر في هذا التحديد. ولأنه يعلم طبيعة البشر حق العلم، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. يكون فيما يرسمه لطريق الخير، متفقا تمام الاتفاق مع إمكانيات هذه الطبيعة، كما يكون تحديده الجزاء ملائما كل الملائمة لنفع هذه الطبيعة من فعل الخير، ونفعها أيضا من تجنب الضرر الذي نهى عنه.

أما الإنسان في فلسفته وتقنينه فهو محدود بالبيئة، ومحدود بالوراثة، وبنوع الثقافة ونوع المعرفة، فإنسان القرية غير إنسان المدينة في إدراكه للحياة وتعبيره عنها. وإنسان الأسرة الصالحة غير إنسان الأسرة التي عاشت في الانحراف أو الإجرام في تصوره القيم الأخلاقية والروابط الاجتماعية. والإنسان الجاهل في تصوره واعتقاده غير المستنير في إدراكه وفي إيمانه. وإنسان المعرفة من نوع خاص غير إنسان المعرفة من نوع آخر، فالطبيب غير المهندس، وكلاهما غير صاحب الثقافة الزراعية، وجميعهم غير رجال المحاسبة وهلم جرا ......

وإذا كان محدودا بهذه المصادر فهو منفعل بها، وتنعكس هي بالتالي في سلوكه، وفي تفكيره، وفي تحديده للحياة وأهدافها. هو وليد هذه العوامل الثلاثة. فما يصدر عنه في أي جانب، في التصرف والسلوك، أو التفكير والحكم، يكون تبلورا لهذه العوامل الثلاثة. وعليه، فإنسان صاحب الفكر الفلسفي. في تحديد الخير، ما هو؟ يتأثر بحياته الخاصة والعامة. وكذلك الشأن في رسم الطريق لتحصيل الخير، ومن هنا تجد بين الفلاسفة تحديدات متنوعة للخير، وكثير منها يناقض بعضه بعضا، كما نجد رسمهم لطريق تحصيل الخير، لا يقل اختلافا في التحديد، عن تحديدهم الخير نفسه.

نجد من بين الفلاسفة من يفهم الخير على أنه مالام المصلحة الشخصية. وتبعا لذلك: الانسان نفسه مقياس الخير. هذا الإنسان يرى الخير في تحصيل المتعة البدنية، وان صاحبها اغتصب ما يملكه غيره، أو ترتب على تحصيلها انتهاك حرمة غيره.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٠٢