تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق س4، ع7 - /يناير 1961 .................... ص 10

الدين في حياة الإنسان

للدكتور محمد الباهي

تطور الإنسان في حياة الغابة والغاب إلى حياة المدنية، تطور من حياة القوة المادية، وتحكيمها في فض الخصومات واستقرار الأوضاع، إلى الالتجاء إلى القانون في الفصل في النزاع وتحيدي العلاقات.

فالنقطة الأولى التي منها بداية الحياة الإنسانية كانت الغلبة عن طريق العصبية في الأسرة والقبيلة والكثرة العددية في الجماعة. والنقطة التي تسود حياة اليوم هي موازين العدل الإنساني التي تمثلها فكرة القانون البشري. وبين هاتين النقطتين في تطور الحياة الإنسانية، كان الدين، وكانت الفلسفة، كل منهما مثل الدور الأول في فترة معينة في تاريخ الإنسانية، ولم يزل يمثل دورا ما الآن.

انتهت مرحلة الغاب بسيطرة الدين، ثم نازعت الفلسفة سيادة الدين، ثم قيض للقانون أن يشترك في الصراع بين الدين والفلسفة في توجيه الإنسان، وأصبحت في حياة الإنسان المعاصر ثلاثة اتجاهات، تتنازع أولا البقاء بينها، ثم يحاول بالتالي كل واحد منها أن يسود في تقرير مصير الإنسان. أصبح الدين، والفلسفة، والقانون، ثلاثتهم جميعا هي المصادر التي يحارب بعضها بعضا من أجل البقاء والسيادة. والفرق بينها يتركز: في أن الدين ينسب إلى الله المعبود، بينما الفلسفة والقانون كلاهما يعد من صنعة الإنسان.

أما غاية كل واحد من الثلاثة فلا تكاد تختلف عن غاية الآخر: فالدين يهدف إلى توضيح الطريق الذي يرى فيه سلامة البشرية في التعايش معا. والفلسفة تحاول ذلك، والقانون بدوره يقوم على حفظ الحال التي تراها الجماعة الخاصة، أو المجموعة الدولية، كفيلة بصيانة التعايش المشترك، والتعاون المثمر.

ولكل مصدر من هذه المصادر التوجيهية نفر خصص وقته وحياته لتوضيح القيمة الذاتية للمصدر الذي ينتسب إليه، على اعتبار أنه وحده كفيل بالتوجيه السليم وبتحقيق الغاية المرجوة في حياة الجماعة الإنسانية: للدين طائفة تبين مزاياه، وللفلسفة طائفة توضح مزاياها، وللقانون طائفة تحرص على بيان مزاياه في التوجيه العام.

الدين قد يصبح فلسفة، وقد يصبح قانونا وتشريعا

الدين قد يصبح فلسفة إذا حاول العقل الإنساني أن يبرر ويعلل مبادئه من الوجهة النظرية العقلية. فليست الفلسفة إلا التعليل العقلي للموجود. فإذا علل الموجود من مبادئ الدين، فقد دخلت هذه المبادئ في نطاق العمل الفلسفي.

وقد يصبح الدين أيضا قانونا إذا اخذ في تطبيق مبادئه على إحداث الحياة وسلوك الإنسان، ووصفت الأحداث، أو وصف السلوك الإنساني بأنه يطابق تلك المبادئ. وعندما يؤخذ في تطبيق مبادئ الدين على أحداث الحياة وسلوك الإنسان، لا يكتفي في التطبيق بحكم مجرد عن التعليل. بل لا بد من التفقه، وشرح المبادئ نفسها، ثم شرح النوع الملائم وغير الملائم لها من أحداث الحياة وسلوك الإنسان. فهذا التفقه أو هذا الشرح هو القانون الذي ينتزع من الدين.

والدين إذا أصبح فلسفة أرضى رجال العقل والفلسفة. وذا أصبح قانونا جذب إليه رجال الفقه والقانون. ومع أنه يمكن أن يصبح فلسفة، فانه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٣٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٣٠١