تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعشرون عاما، وهذا لايعني أن أمها كانت تكبر أباها نوعا ما .. وكان من عادة الفتاة أنها عندما تستيقظ من نومها ترتعش في قميصها نوعا ما، ولاتغادر فراشها بل تتقلب فيه ثم تلف نفسها جيدا بالغطاء ثم تتابع نومها كأشفة وجهها ناظرة إلى النافذة، مستمعة إلى زقزقة العصافير، وكان من عادتها كذلك أن تدع النافذة الخشبية مفتوحة بينما تغلق زجاحها إذ كان يسرها أن تشهد مولد النهار كل صباح ...

وصل السيد إلى حظيرة الماشية متوكأ على عصاه، وقد سال " كريستسن" عن الماشية وأجابته هذه بأنها جيدة، وقد إحمر وجه " كرسيتينا" نوعا ما، ثم تابع سيره نحو الغابة ليرى كيف يسير العمل، ولقد إبتسم لمنظر نوع من الثياب رآه غريبا، ثم تابع سيره، فقد كان رجل عمل لايعرف التعب إليه سبيلا، أما " كريستينا" فقد بكت لشيء ما قاله لها السيد، ولكنها الان سوف لاتقصه على " مارجاريتا" وأخذت شيئا من الثمر وضعته في فمها ثم تابعت حلب الماشية حتى فرغت من ذلك .. فرفعت الجرة ووضعتها بعناية فوق رأسها، وبدأت سيرها عائدة نحو المنزل.

وكان للسيد إبن شاب غائر العينين، شاحب اللون، ممتليء الوجه بحبوب صغيرة، يصغر أخته بقليل، وكانت أمه دائما أثناء طعام الإفطار تقول له: إنه شيء غريب، رياضة بدنية أكثر مما ينبغي، وعلى نحو ينهك الجسم هكذا .. شيء غريب وكان الفتى يرتعش لسماعه هذا، لأنه وحده .. هو الذي يعلم إلى ابن تذهب " إسييرانثا" كل مساء، وكان والده دائما ينبري للدفاع عنه قائلا: نحيف .. عيناه غائرتان هو شيء طبيعي .. طبيعي جدا .. إن الفتى في عمر الـ ... ثم يبتسم السيد قبل أن يختم حديثه بقوله: أوه ... نتهم الربيع.

كان الفتى يهرب من " كريستسنا" لأنه يرى أنها خشنة أكثر من اللازم .. أما الراعي فلم يكن ليهرب منها لأنه كان خشنا مثلها، وكان قد أفضى إليها منذ زمن قليل بشيء ثم إحتضنها، وتركته هي يحتضنها ثم قالت له: لا ... ووضعت شيئا من الثمر في فمها.

كان هذا الراعي مختبئا بين زروع مجاورة، ثم خرج وأخذ " كريستينا" من يدها، وتركا جرة اللبن على الأرض، ثم حمل هو لها الجرة مسافة طويلة، وذهبت بعد إلى المنزل مسرورة جدا تواثب كالغزال، ولكن عندما وصلت المنزل أحست بقشعريرة في ظهرها وبقيت منهمكة في تفكير، فقد خيل إليها إن كل العيون تلحظها بنظرات فيها ظنة ..

أمر السيد بأن يسرج له فرسه وذهب إلى المدينة، وكان على السيدة أن تضاعف حراستها للخدم، لأن زوجها لم يعد بجوارها لكي يساعدها على رعاية النظام، ولأن أولئك الخادمات لسن شيئا آخر أكثر من طائشات، ولأن العمال في كثير من الأحيان يعوزهم الحياء .. ولكن " كريستينا" قد أحبت أن تخرج في المساء لتشتم روائح الزهر مع الآخر ... مع الحطاب الذي يخرج مرتديا أبهى ثيابه، وكانت تعتمد على كتفه وهي تسير نحو البناء المرتفع ذي القبة لكي تتأمل القمر .....

أما " مارجاريتا" فستبقى نائمة إذ من المعروف إن السيد ليس موجودا، ولكن عندما يعود من المديتة سيحضر لها قطعة من القماش نقشت عليها ورود حوراء لكي تصنع منها ثوبا، وقد قدم لها من قبل مثل ذلك ..

وأما " اسييرانثا" فهي تخرج دائما مستخفية عندما تبدأ الصراصير في غنائها الذي يظل متتابعا رتيبا طول الليل، حتى إن الشخص الذي يتعود سماعه يبدو له أنه لايسمع شيئا ,انه صدى لهدوء الليل ..

وصل الطبيب فربط فرسه من لجامه في شجرة من تلك الأشجار الضخمة المحيطة بالمنزل، واتجه يمينا نحو المنزل ثم جعل يعد .. واحد .. إثنان .. ثلاثة .. أربعة. ولما كان الليل حالك السواد فإنه قد أخطأ ودق بأصابعه دقات خفيفة على زجاج النافذة، وجعل ينادي بصوت خافت .. " ماريا" .. ماريا .. ولم يكن في حاجة إلى أن يرفع صوته لأنها هي جيدة السمع، ولقد تعجبت السيدة لسماه صوت يناديها من خلف النافذة، ففتحت الزجاج وإذا برجل يتسلق عليها النافذة وينزل عندعا في الحجرة، ثم يقول لها: " أنظري .. كيف إن هذا هو أفضل مكان .. " ولكن السيدة لم تقل شيئا، لأنها أرادت أن تعرف نهاية الشوط الذي سينتهي إليه الطبيب، ولو أنها إستنكرت بحواسها الخمس ذلك الموقف، ولم تكن بحاجة إلى أكثر ... ومع ذلك فقد عرفت بغريزة المرأة كل شيء ... ولكن شيطان البدن ...

ثم قالت في فزع: ماهذا؟ .. لا ... ليس من الممكن .. فقد أرادت أن تعرف إلى أي حد ستصل بالطبيب جرأته ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٧٢