تقدير، ولم تكن لتعيرهما أي إهتمام، ولم يكن ينام في الحجرات التي فوق الحظيرة غير الرجال وبعض النساء العجائز ممن لايخشى من بقائهن خطر ... وكانت سيدة الدار تهتم بالجانب الخلقي كثيرا كسيدة قد ودعت الشباب. ولم يكن لها على عمال المزرعة سلطان، ولو أنه كان يسرها أن تراهم تحت إمرتها، فكانت تقول: آه ... لو كان هؤلاء الخبثاء خاضعين لسلطاني .. وكانت إذا أخذت على أحدهم شيئا أبلغته لزوجها، ولكن كانت تصيب قليلا من النجاح في ذلك بوجع عام.
أما زوجها الشيخ- وقد كان طائشا أيام شبابه-فقد كان يقول دائما في شيء من الجدية والموافقة: بالرغم من أن العيد قد إنتهى " أوه ... نتهم الربيع" ثم يدق الأرض بعصاه دقات خفيفة: كما لو كان مشغولا، أو ينقر بأصبع يديه على جانبي المقعد الذي يجلس عليه في حركة شبه موسيقية، وبتلك الأصابع القوية، أصابع فلاح، حيث كان يحمل خاتم الزواج، وخاتما آخر ضخما من الحديد، كان من اسباب شهرته أيام شبابه، فقد إستطاع بوساطته أن يحطم أضراس ابن عمه" جييرمو" في لطمة وجهها إليه، وكان كثيرا ما يروي هذا ثم يخرج ليدور دورة حول تلك الأشجار الضخمة المحيطة بالدار فإذا مر بإحدى الفتيات حياها مبتسما.
وقد صاح ذات يوم مناديا " كريستسنا" التي وجدها في ذلك الطريق الفرعي المؤدي إلى البناء المرتفع ذي القبة، وجعل يتكلم معها، والله وحده يعلم ماذا قال لها، غير أن إحدى وصيفتيه السيدة و تدعى (كريستينا) وحدها ومن غير أن تقول شيئا لأحد، وجعلت تسير في الحقل ثم توجت رأسها ببعض الأزهار البيضاء والصفراء وثبتت فوق صدر غصنا صغيرا من النبات ... وكان السيد قد خرج يتمشى فلما أبصرته (مارجاريتا) حيته بتحية الصباح، فتوقف في منتصف الطريق ورد عليها تحيته وبقيا صامتين ... ثم سألها السيد عن ما إذا كانت لاتحس بالبرد وهي تسير في ثياب خفيفة؟ وفي المساء كانت " مارجاريتا" تضحك وهي تقص ما وقع لها على الوصيفة الأخرى للسيد والمسماة " إسيرانثا".
أما " مريستينا" فقد كانت تتقلب في فراشها، ولما لم يداعب النوم جفونها فقد نهضت من فراشها قلقة ثم لبست حذاءها وخرجت نحو الحقل، ولم يكن الجو باردا ولذا فقد إكتفت بأن تلبس " بلوزا" فوق القميص فقط، وكانت تحاكي غناء بعض الطيور وهي تسير، ولم تمض خمس دقائق حتى كانت مأخوذة من يدها صاعدة نحو البناء المرتفع ذي لبقبة، وهنالك طوق وسطها بيده ... فقالت: إن الرجال يخيفونني ... إنني اليوم عجيبة، ولم يجبها هو .. وعند رجوعها إلى المنزل خلعت حذاءها وهي صاعدة نحو غرفتها حتى لاتحدث صوتا، وبالرغم من إن المساء كان معتدلا، إلا انها أحست بالبرد لخفة الثياب التي ترتديها ..
-2 -
تجمعت الطيور فعمرت أغصان الشجر، ثم أخذت تغرد، كإنما ودت أن توقظ النهار بتغريدها، وخرج الحطابون نحو الغابة، هذا يحمل فأسه على كتفه، وذان يحملان فيما بينهما منشارا كبيرا، أوة يضعانه فوق عربة يجرها ثور، يلأخذون طريقهم بين حقول الفول والبطاطا ...
هبطت "كريستسنا" حاملة فوق خاصرتها جرة كبيرة، وسارت في الطريق الفرعي المؤدي على الطريق العام ... إنها ذاهبة لحلب الماشية فرحة مبتهجة، ولم تكن لتنظر تجاه الأشجار الملتفة حول الدار حيث الطيور تغرد في أغصانها، وحيث الزروع النامية حول مصادر الماء، ثم وصلت إلى حظيرة الماشية وبدأت تحلب بقراتها وهي جالسة على مقعد خشبي ذي ثلاثة أرجل كان قد صنعه لها ذلك الأجنبي الذي رحل على الا يعود. ولم تكن لا " مارجاريتا" ولا " إسييرانثا" قد نهضتا بعد نومهما، إذن إن سيدهما لم يكن من عاتها ات تبكر، أما السيد فإنه يستيقظ مبكرا، ويرى متنقلا من مكان إلى آخر بين العمال ببطنه الكبير وحزامه الجلدي، ومع أن عمره قد جاوز الستين، إلا أنه كفلاح كان نظيفا، لحيته ممشوطة دائما بعناية، ويداه مغسولتان كل صباح.
أما إبنة السيد فلم تكن كذلك لتبكر شأنها شأن أمها، وقد كانت فارغة سمينة حمراء مثل أمها كذلك، وتحمل نفس الإسم الذي تحمله أمها، وهي تقل عن أمها بأربعين عاما، وفرق ما بينها وبين أمها في السن قد جعل عادتها تخالف عادات أمها، عمر الفتاة إثنان