وفي حجرة مجاورة كانت الفتاة- إبنتها- ترتعد في قميصها مع أن رأسها يستنكر خوفها المصطنع ثم قالت لنفسها: لم يستطع أن يأتي إلى هنا ...
ولقد أدرك الطبيب حينا أنه قد أخطأ الهدف فقال للسيدة: لا ادري كيف إستطعت أن أبقى هنا وقتا أكثر مما ينبغي من غير أن أحسب لذلك حسابا .. في الحقيقة هو واجب يميليه الضمير، لقد قلت: أين سأستطيع أن أرى " ماريا" لكي أخبرها؟ وحينا فكرت ... في حجرتها، فقالت له السيدة: ومن أجل ذلك قلت لي عند دخولك: " الاترين كيف أن هذا هو أفضل مكان؟ " فقال: نعم، كما قلت لك في الحقيقة أنه واجب .. زوجك .. فقالت زوجي؟ قال: نعم زوجك.
فقالت: ماذا؟ أن رأيتهما، قال ذلك عندما رأى نفسه محرجا، ثم خرج من النافذة أيضا.
وبحث جيدا هذه المرة ثم دق بأصابعه عل النافذة الأخرى، وكان قلقا نوعا ما .. أما فرسه فلكثرة ما نازع اللجام المربوط به في الشجرة، تقطع ذلك اللجام وانطلق الفرس كالشعاع وصادف إن كان السيد عائدا من المدينة ممتطيا فرسه فذعر الفرس ووثب فسقط السيد على جانب الطريق، فقال وهو مطروح على ألرض: " أوه .. نتهم الربيع".
أما " كريستينا" فقد خرجت مع الحطاب وهو ممسك بيدها وهي تتأمل القمر في طريقها إلى البناء المرتفع ذي القبة، وهنالك إستنشقت روائح الأزهار العطرة ..
كما خرجت "مارجاريتا" كذلك لتتجول أمام الحظيرة، مصعدة هابطة زهاء عشر دقائق ثم قالت لبائع الخبز لقد تأخرت عن موعدك، وفي مثل هذه الساعات الباردة من الليل يصيبني الزكام.
طلب الحطاب مقابلة السيدة وقال لها: إن الذي يجب أن يخرج من المنزل ليس " كرستينا" وإنما أنا، وجاها أن تغفر له، ولكن " كريستينا" كانت قد جمعت ثيابها بعد أن سكبت بحرا من الدمع، وخرجت فسلكت الطريق الفرعي المؤذي إلى الطريق العام ..
جلس السيد منقبضا وقد افهمته إبنته ما وقع، ثم دخلت السيدة وجلست على طرف الفراش مبتسمة وقالت: إن صديقة السيد قد طردت إلى الطريق- وكانت توجه الحديث لزوجها-فقطب السيد ما بين عينيه، ثم نظر إلى الحقيبة التي أحضر فيها الثوب الأحمر لمارجاريتا وفكر .. كيف يصير هذا ممكنا وقد رآها منذ عشر دقائق تمر، فعادت السيدة تقول- وهي مازالت مبتسمة-: إنني عرفت أن الحطاب قد جعلك أكثر إطمئنانا فقال: من قال لك هذا؟ فقالت: هو نفسه، لقد كان معي منذ قليل، ولكن .. لا .. لا ... أقول ذلك .. اقول إسم الأخرى. فقد كان الطبيب مساء في حجرتي .. وكانت إبنتها داخلة تحمل طعام الإفطار لأبيها، فاضطربت لسماع كلمة " الطبيب" وسقط الطعام من يدها، وقالت: إن نوبة عصبية قد أصابتها، وكان عليهم أن ينادوا الطبيب، ولكن السيد لم يحب أن يراه، وقال لزوجته: لقد خدعك الطبيب ببساطة، ليست " كريستينا" إنها أخرى، فابحثي عنها إن شئت .. وإزاء هذا أرادت السيدة أيضا أن تعيد النظر فيما قال، ولكن أرادت أن تطمئن نفسها، فقد إختلت بابنتها واستطاعت أن تزيل عنها النوبة بطريقة أصيلة تعرفها النساء.
وصل الراعي يحمل غطاء رأسه في يديه، وتقدم إلى الموضع الذي فيه السيدة، وقد سعل قليلا ثم قال: إن كريستينا بريئة يا سيدتي، وأقسم لك على ذلك .. وكانت السيدة قد تغيرت فكرتها، فأمرت بالبحث عن " كريستينا" وقد أصبح المتهم الوحيد في نظرها الآن هو زوجها، أما أخطء الآخرين فلم تعد تهمها.
رجعت " كريستينا" فرحة مبتهجة، وقبلت إقدام سيدتها، ثم أمرت السيدة بنداء " اسييرانثا" وقالت لها: حسن يا " اسيرانثا" لكي نتعرف على شيء من السر- .. لقد قررت العفو ولكن عليك أن تقولي لماذا السيد .. ؟ فانخرطت " اسييرانثا" في البكاء وقالت: آه يا سيدتي .. إبنك .. فقالت السيدة: كيف إبني .. ؟ فقالت " اسييرانثا": لقد أمر به أن يرسل إلى مدرسة داخلية ولكن في الطريق قد أنقذ من ذلك طبقا لأوامر والد، وأبعد غلة تلك الدار الخلوية الصغيرة الواقعة في الجانب الآخر من الوادي، ولما كانت السيدة قد ابعدت " لسييرانثا" فقد عهد السيد إلى هذه أن تعني بشؤون ابنه .. وحينئذ أمرت السيدة باحضار