تكن عادته أن يستدعيهم، وإنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم. وفيها برز ابن حبوس وكان أول من أنشد الخليفة قال:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا *** وتعلمت أيامه أن تعدلا وبحسبه إن كان شيئا قابلا *** وجد الهداية صورة فتشكلا
وفيها يقول:
فلأنتم الحق الذي لايمترى *** فيه وليس بجائز أن يجهلا ولأنتم سر الالاه وأمركم *** ملأ العوالم مجملا ومفصلا
إلى آخر القصيدة التي ستكشف من بين إستعارتها وتشبيهاتها أساس المبادئ الموحدية ولم يكن الشاعر قد صرح به من قبل.
وبينما الخليفة عائد من رحلته إلى عاصمة خلافته، توقف عند مدينة سلا، حيث عبر نهر أبي رقراق، وضربت له خيمة جلس يستعرض فيها تنظيمها، فخر ساجدا شكرا لله وقد بل الدمع لحيته، فلم يكن من ابن حبوس في هذه اللحظة إلا أن إستوحى من جلال الموقف هذه القصيدة التي أنشدها أمام الخليفة والتي يقول في مطلعها:
ألا يهدأ البحر جاورك البحر *** وخيم في أرجائك النفع والضر وجاش على أواهك العقل والحجا *** وفاض على إعطائك النهي والأمر
وتذكرنا هذه الصورة بالبيت الذي أنشده إبن دراج القسطالي أمام المنصور بن ابي عامر:
تحمل منه البحر بحرا من القنا *** يروع بها أواجه ويهول
بل وتذكرنا بمدح النابغة للنعمان وتشبيهه له بالفرات الذي إرتطمت أمواجه على شاطئيه وقد مدته الروافد فزادت في فيضانه.
ويستمر ابن حبوس في مخاطبة الخليفة:
فأنت خديم الشمس والبدر عنوة *** وتخدمه في أمره الشمس والبدر
وهي صورة غريبة لم يكن منتظرا من الشاعر أن يستلهمها من مظهر البحر.
ونجده في قطعة مدح أخرى يعبر في صور متتابعة عما وصلت إليه فتوحه فيقول:
ولسنا نعلم إذا كانت موجهة إلى عبد المومن أو إلى إبنه أبي يعقوب، ولكن الذي لاشك فيه أنه قالها في أخريات أيامه، مما يجعلنا لانستعبد إنشادها لخليفة عبد المومن.
ولعل ءاخر ما أنشأ الشاعر بيتان جميلان لا شك أنه يخاطب بهما أبا يعقوب وهما:
عصفت بدعوتك الرياح الهوج *** وسطا بأمرك دابل ووشيج وتقدمتك إلى العدو مهابه *** يشقى بها في سده ياجوج
وبين مراكش وفاس قضى شاعرنا آخر حياته يرعاه الخليفة ويجزل له العطاء، إلى إن كانت نهايته سنة سبعين وخمسمائة. وقد حكى ابن دحية- وكان في رحلة علمية للمغرب- أنه قابله في مراكش قبل وفاته بست سنين، ثم في فاس حيث أضافه بمنزله، وأهداه نسخة من ديوانه قدمها بدوره إلى الأمير الكامل الأيوبي وكان مؤدبه. وذكر ابن عبد الملك أنه وقف من ديوانه على مجلد متوسط فيه ما يناهز ستة آلاف وخمسمائة بيت.