تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان لنا أن نقول كلمة أخيرة عن ابن حبوس فهي أنه كان شاعر فاس الأول، وأنه كان من فحول الشعراء، وإن لم يرق مرتبة الممتازين. وقد قارنه المراكشي بابن هانئ الذي كان معروفا بمتنبي المغرب حين قال: " وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعا وأحلا مهيعا".

وابن هانئ تلميذ للمتنبي من غير شك أو إنكار، يقلده في تصنعه للأفكار، وفي أساوبه الضخم وتعبيره الجزل، وفي تكلفه الحكم والأمثال، وفي تعلقه بالغريب والشاذ، وغلوه في المبالغة. بل ونجد في شعره ميلا كبيرا إلى الألفاظ الغريبة والقوافي الشاذة، وكأنه يقصد إلى إثبات مهارته لدرجة أن جاء بعض شعره هزيل المعنى، ضخم الألفاظ.

وبالرغم من نفسه الطويل وشاعريته المتينة، فإنه لم يقف على الطبيعة يصفها ويتغنى بجمالها، ولم يفسح المجال لعاطفته التي تكاد لاتظهر إلا في حديثه عن الدين والشيعة والأمامية، في حين أن في شعر أبن حبوس عاطفة حية تأثر بما حولها وتؤثر فيه، نحس ونحن نقرأه نعومة ولينا وسلاسة واسترسالا لاتصنع فيه ولا غرابة، بل نحس موسيقى حلوة عذبة تصل إلى أعماق القلب قبل أن تبلغ آفاق العقل، ومن غير تكلف أو إجهاد. والحق أن شعر ابن حبوس وإن كنا نجد فيه جمالا وروعة يدلان على قريحة فياضة فهو دون شعر ابن هانئ الذي يفيض عن عبقرية جياشة وشخصية قوية وإن في إطار التقليد والمجاراة. وخلو شعر ابن حبوس من فنون الزخرف و التصنيع ليس إلا مظهرا لطابع العصر عامة والفكر فيه خاصة. فقد تأثر الأدب الموحدي بأدب العباسيين والأندلسيين والمرابطين، ولكنه لم يفقد شخصيته التي ميزته بالبساطة وشيوع الأدب الديني فيه من دون أدب الخمر والغزل، ولو وصلنا من ابن حبوس شعر أكثر من هذه القصائد والمقطوعات التي أوردنا من غير أن نطيل بذكر كل أبياتها والتي هي كل ما أبقت عليه يد الإهمال، لكانت نظرتها إليه أدق مما رأينا. وعسى أن يعثر يوما على ديوانه، وتتاح لنا فرصة دراسة عميقة مفصلة نسجل بها صفحة مشرفة للأدب المغربي في هذا العصر، تضاف وكثير من مثيلاتها إلى صفحات الأدب العربي الذي آن له أن يجمع شتات تراثه المتناثر هنا وهنالك.

ــــــــــــــــــــــ

من نعم الله

قال فيض بن إسحاق: كنت عند الفضيل بن عياض يوما إذا دخل

رجل وسأله حاجة وألح في السؤال، فقلت للرجل: لاتؤذ الشيخ.

فقال لي الفضيل: أسكت يا فيض، أما علمت أن حوائج الناس نعمة

الله علينا؟ فحذار أن نمل النعم فتتحول نقما، ألا نحمد الله، إن جعلنا

موضع من يسال لاموضع من يسأل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٣٤