تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقطعة إلى جانب مثال انثر ابن حبوس، بل هي كل مل بقي لنا منه وأسلوبه فيها، ومرسل لاتعقيد فيه ولا اغرب.

وللأسف الشديد لم تنتقل إلينا الكتب التي بين أيدينا ولو بيت شعر واحد مما قاله طوال المدة التي قضاها في الأندلس.

وبالرغم من موافقة أفكار ابن حبوس لمبادئ الموحدين، وبالرغم من مشاركته لهم في نشر الدعوة السرية لها، فإنه لم يعد إلى المغرب إلا سنة أربيعين وخمسمائة بعد أن تم فتح الأندلس على يد الخليفة الثاني عبد المومن، كان قد دانت له قبل ذلك بلاد المغرب الأقصى والأوسط مع إن إنتصارات المهدي على المرابطين بدأت أربعا وعشرين سنة قبل هذا التاريخ، وهي المدة التي إستغرقتها إقامة الشاعر بالأندلس. ولعله كان يخشى فشل الموحدين في إقامة الدولة، ففضل أن يبقى بعيدا عن جو الفتن والحروب.

وإذن فقد عاد إلى المغرب ليصبح " شاعر الخلاقة المهدية (2) " يصاحب الأمير في إقامته ورحلته، ويشهد معه المواقع والحروب ويمدحه ويصف بجاية هي أول شعره بعد عودته وفيها يقول:

من القوم بالغرب تصغى إلى *** حديثهم إذن المشرق

بأيديهم النار مشبوبة *** فمهما تصب باطلا تحرق

يقودهم ملك أروع *** تفرد بالسؤدد المطلق

إلى الناصرية (3) سرنا معا *** ولما تفتنا ولم تلحق

ولكنا في هذا الظرف وبعد العودة من فتح بجاية، نلاحظ ظهور شخصية أبي جعفر ابن عطية القضاعي الذي كان يشغل منصب الكتابة في الدولة المرابطية، والذي إختفى بمجرد إستيلاء الموحدين على مدينة مراكش، وانضم مستترا إلى فرقة الرماة المسيحيين الذين كانوا إلى جانب بقية الجيش يحاربون أحد الثوار الخارجين عن الدولة. والسبب في ظهوره أنه بعد إنتهاء المعركة، وقع عليه إختيار الفرقة ليصوغ كتابا للخليفة عن هذا الإنتصار. فما كان منه إلا أن إبداع وأجاد مما جعل الخليفة يعجب برسالته ويتوق لمقابلته ويعينه وزيرا. ويغلب على الظن أن علاقة أبي جعفر بشاعرنا لم تكن على ما يرام، خاصة انه كان يعرف تمرده أيام المرابطين، وقد يكون فكر في الإنتقام منه، ولكن حبوس لم يترك له فرصة لذلك فمدحه بقصيدة يقول في أولها:

ألا زار من أم الخسيف خيالها *** ومن دونها البيداء يخفق آلها

وفي آخرها:

وزير العلى عندي من القول فضلة *** رويتها في مدحكم وارتجالها

وماكنت أخشى مدة الدهر أن رأى *** تميد بي الدنيا وأنتم جبالها

وسرعان ما افل نجم الوزير حين أحضره الخليفة إلى مراكش، وكان في طريقه إلى الأندلس، وأمر بحبسه وقتله لأسباب منها أنه أفشى سرا كان قد أفضى به إليه. ولم يلبث عبد المومن بعد الحادث أن إستدعى الشعراء وأمرهم بهجو إبن عطية فلما أنشدوه قال " ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه" وللأسف الشديد لم يصلنا من هذا الشعر غير بيتين من كل جودة قالهما ابن حبوس هما:

أندلسي ليس من بربر *** يختلس الملك من البربر لاتسلم البربر ما شيدت *** بالملك القيسي من مخفر

وبقي ابن حبوس محافظا على مركزه في البلاط لاينتظر غير الفرصة تسنح ليمدح الخليفة، وبالفعل تهيات له في الندوة التي اقامها عبد المومن على ظهر جبل الفتح والتي إستدعى لها شعراء العدوتين ولم

2 - نسبة على المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية.

3 - يقصد بجاية وتسمى الناصرية نسبة لمؤسسها ناصر الصنهاجي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٣٢