بينه وبين الوصول إليه، أما بالوشاية أو غيرها، في وقت كانوا يتمتعون بنعائمه، ويعيشون في ظلاله.
كل هذا كان دافعا له إلى الفرار بنفسه ومغادرة البلاد، حتى لايبطش به المرابطون، وكانوا قساة غلاظ القلوب فهرب إلى الأندلس حيث إتصل هنا ولاشك بدعاة للموحدين آخرين، وعمل على نشر مبادئها في مجال أكثر حرية واتساعا.
ولانعرف عن مقامه في الأندلس شيئا أكثر مما تفيدنا به هذه الحكاية التي كتبها بقلمه والتي رواها المراكشي في " المعجب" عن عبد الله ولد الشاعر حيث قرأها عليه من خط أبيه: قال: " دخلت مدينة " شلب" من بلاد الأندلس، ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئا، فسالت عمن يقصد إليه فيها، فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن الملح، فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سحاءة ودواة فأعطانيها، فكتبت أبياتا إمتدحته بها وقصدت داره، فإذا هو في الدهليز، فسلمت عليه فرحب بي ورد علي بأحسن رد، وتلقاني أحسن لقاء وقال: أحسبك غريبا، قلت: نعم. فقال لي: من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب والشعر، ثم أنشدته الأبيات التي قلت، فوقعت منه أحسن موقع، فأدخلني إلى منزله، وقدم إلي الطعام، وجعل يحدثني، فما رأيت أحسن محاضرة منه، فما آن الإنصراف، خرج ثم علد ومعه عبدان يحملان صندوقا حتى وضعه بين يدي، ففتحته فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي، وقال: هذه لك، ثم دفع إلى صرة فيها أربعون مثقالا، وقال هذه من عندي. فتعجبت من كلامه، وأشكل علي جدا، وسألته من أين كانت هذه لي! فقال لي: سأحدثك، أني أوقفت أرضا من جملة ما لي للشعراء غلتها في كل سنة مائة دينارن ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد فاجتمه هذا المال حتى سبق لك، وأما هذه فمن حر مالي، يعني الأربعين مثقالا. فدخلت عليه جائعا فقيرا وخرجت منه شبعان غنيا".
الذي نستنتج من بين سطور هذه القطعة أم حالة الشاعر بالأندلس لم تكن تدعو إلى الرضى والإطمئنان، لدرجة أن مرت عليه ثلاثة أيام دون أن يتناول فيها طعام. ولعل مقامه بها لم يستمر على هذا النوع من الحياة البائسة، خاصة أنه قضى فيها اكثر من عشرين سنة. ولايعقل أن يكون قد أمضى كل هذه المدة على نفس الحالة التي وصفها والتي كان عليها قبل أن يتصل بابن الملح. وتدل الحكاية في نفس الوقت على ركود السوق الأدبية أيام المرابطين، وعلى إهمال المغاربة لمن ينجبون من نوابغ وقبرهم لما يظهر في أبنائهم من مواهب وعبقريات، في حين تدل على ما كان لأهل الأندلس من اهتمام بالغ برجال الفكر والأدب.
والقصيدتان اللتان قالهما في ذم الشعر والزمان يدلان في وضوح على مدى ما يقاسيه الأديب المغربي في حياته من مآسي وآلام. يقول في الأولى:
يا غراب الشعر لاطر *** ت ومليت الوقوعا
وإذا إستيقظ شهم *** قرهم زدت هجوما
هبك لاتقنص عزا *** لم تقنصت الخضوعا
رمت أن ترقى سريعا *** فترديت صريعا
ربما أصطاد بغاث *** شبعا واصطدت جوعا
وبقد غال حبيبا منك ماراع صريعا 1
ويقول في الثانية:
يعز علي النبل أني غدوت *** أكنى أديبا وأسمى فقيرا
وإني ثبت لكف الزمان *** يعرق عظمي عرقا مبيرا
وما ذاك أني هيابة *** أخاف الرحيل وأشنا المسيرا
ولكن بحكم زمان غدا *** يحط الجياد ويسمى الحميرا
1 يقصد بحبيب أبا تمام صاحب الحماسة وبصريع صريع الغواني الشاعر المشهور.