وفي حلقات مساجدها درس، ولكنا لانعرف شيئا عن كيفية نشأته، ونوع دراسته وأسماء مدرسيه، سوى ما حكى ابن عبد الملك من أنه أخذ عن ابي بكر الأبيض، ومان من فحول الشعراء متفننا في علم الكلام واللغة والنحو. ومن يدري لعله درس بجامعة القرويين التي لاشك أنها كانت في هذا لالعصر نموذجا للتعليم الذي كان يطغى عليه طابع الفقه والدين، ولعله كان يتوق إلى سواه ويتصل ببعض أحرار الفكر وخاصة دعاة الموحدية الذين يعملون في الخفاء.
وأكثر من هذا لانستطيع أن نستنطق المصادر سوى أنه سافر إلى تلمسان فأقام بها قليلا، ثم إنتقل إلى مراكش، وكانت شهرته ذائعة بالرغم من أنه لم يكن في غير أول شباب فاتصل بالمرابطين وحظى عند أرائهم، وخاصة عند علي بن يوسف بن تاشفين
(ت 537ه) وفي (المعجب) " أنه كان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات فهرب إلى الأندلس".
والراجح أنه لايمثل نوع الحماقات غير فكره الحر الذي دفعه إلى الثورة ضد الجمود المرابطي صفة عامة، وتحجر عقلية الفقهاء بصفة خاصة. وله قصيدة في الموضوع نرجح أنه نظمها في هذه الفترة التي قضاها في مراكش والتي سبقت ظهور الموحدين يقول فيها:
الدين دين الله لم يعبأ بمبـ *** ـتدع ولم يحفل بضلة ملحد
قالوا بنور العقل يدرك ما ورا *** ء الغيب قلت قدي من الدعوى قد
بالشرع يدرك كل شيء غائبـ *** والعقل ينكر كل ما لم يشهد
من لم يحط علما بغاية نفسه *** وهي القريبة من له بالأبعد
أعداؤنا في ربنا أحبابنا *** جرحوا القلوب وأقبلوا في العود
ستنالهم منا الغداة قوارع *** إن لم تغلهم غولها فكان قد
وتصب فيهم سحبنا بصواعق *** تلك التي جلبت منية أربد
يلغي كتاب الله بين ظهورهم *** وجميع مسنون النبي محمد
والقصيدة كما يرى ثورة صريحة ضد الفقهاء الذين تمسكوا بقشور الفروع، وثورة في نفس الوقت ضد بعض فلاسفة العصر ممن كانوا لايقولون بغير العقل. وهي في الواقع أثر من آثار الدعوة الموحدية يدعو فيها للرجوع إلى الكتاب والسنة. والذي يتضح من أبياتها أن ابن حبوس كان وسطا في تفكيره، يأخذ بالمنقول في غير جمود وفي غير معاداة للتأويل والإستنباط، تضيء عقله نظرة فلسفية لاغلو فيها ولا مبالغة.
ولعل هذا كله جعله يميل إلى التشاؤم في تفكيره على ما يظهر في قصيدته التي يقول فيها:
أعد لنا بحيك عصا *** وأقضم ماضغيك حصا
وعامل بالخديعة من *** لقيت وبادر الفرصا
وهز لمعشر سيفا *** وهز لآخرين عصا
وسوء ظنا بكل أخ *** يقاسمك الثنا حصصا
والواقع أن هذا التشاؤم ليس ناتجا عن كره للناس دائم عميق كما عند بشار الذي كان بطبيعته يكره الجنس البشري وكان ضيق صدره حتى بأصدقائه وأحب الناس إليه يعتمد إغاظتهم والإساءة إليهم حتى يتركوه، ولا ناتجا عن دعوة إلى التقشف والزهد في الدنيا وذم متاعبها والتقرب إلى الله بالابتهالات والعمل الصالح كما عند أبي العتاهية، ولا عن نقد للحياة الاجتماعية وما يشوبها من أكدار وآلام كما عند المتنبي، ولا عن وصف دقيق للحياة وما يحفها من عذاب وشر ونفاق وفساد يهاجمها في نقد ساخر لاذع كما فعل أبو العلاء لم يكن شيء من هذا سببا في تشاؤم ابن حبوس، وإنما كان سببه كره مؤقت للناس، وضيق صدره بمن حوله، اعتراه