تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحركة الفكرية:

إذا كانت المصادر تتوفر نسبيا لمن يدرس تاريخ الأدارسة السياسي، فهي لا تكاد توجد بالنسبة لدارس الحركة الفكرية، ولا يدل هذا مطلقا على انه لم يكن هناك علماء أو أدباء، إنما الشيء الذي يلاحظه الباحث في هذا الباب، أن الأدارسة لم يكزنزا ذوي ثروة تساعدهم على تشجيع الحركة العلمية والأدبية إلى حد يكثر معه الإنتاج وتنتشر حركة التأليف، حتى أن تاريخ الأدارسة، كتبه مؤرخون معظمهم متأخر جدا عن عصر الأدارسة، أما المعاصرون فليس إلا قليل من المغرب الأقصى على ما ظهر، ونظرة قصيرة على تاريخ الأمويين بالأندلس، والعبيديين بإفريقيا، تدلنا على مدى حركة الإنتاج الواسعة نسبيا في كل من افريقيا والأندلس، في نفس الوقت الذي كانت الحركة الفكرية بالمغرب، مسايرة بدون شك للحركة الفكرية بالقطرين الشقيقين، وقد حاولت عبثا أن أجد مؤلفا مغربيا مما بقي من عهد الأدارسة، فهل كانت الحركة الفكرة بالمغرب عقيمة إلى هذا الحد؟ بكل تأكيد لا.

غير انه كان من عادة الدول الإسلامية أن تغدق الأموال الطائلة على الأدباء والعلماء، ليتفرغ كثير منهم لإنتاج، مكتفيا في معيشته بما يدره عليه أمراء الدولة وكبار المسؤولين فيها، أما فقر الأدارسة اشتغالهم وكبار المسؤولين فيها، أما فقر الأدارسة اشتغالهم بنشر الإسلام، وبساطة حياتهم، فلم تسمح لهم حتى بإنشاء جيش قوي لمواجهة الطامعين فيهم فضلا عن القيام بعمل جبار في ميدان الحضارة.

واهم من كتب عن تاريخ الأدارسة ابن أبي زرع فهو بنقل كثيرا عن البرنوسي المعاصر لهم، غير أن كتاب البرنوصي يعتبر لحد الآن مفقودا، كما كتب محمد بن يوسف الوراق عن المدن التي عرفت ازدهارا كبيرا في عهد الأدارسة، خصوصا سجلماسة ونكور وفاس، وقد توفي هذا المؤرخ سنة 292، وكثيرا ما اعتمد عليه ابن عذارى في «البيان المغرب».

وكانت حركة العلوم الدينية مزدهرة في عهد الأدارسة، حتى أن البرغواطيين كان بينهم من فقهوا في علوم الدين وعاصروا الأدارسة، وفيهم من تلقى علومه عن الأدارسة كيونس الشذوني الأندلسي الأصل، وكانت رحلته مع زيد بن سنان الزناتي الواصلي وبرغوت بن سعيد الصفري، ومن عجيب المفارقات أن يجتمع أصحاب هذه المذاهب المختلفة في رحلة لدراسة معا، أو على الأصح، أن يجتمعوا لدراسة ثم يرجعوا إلى المغرب وقد تفرقت بهم المذاهب.

أما الحركة الأدبية، فقد عرفت نشاطا عظيما حفظت لنا منه المراجع نتفا قليلة متفرقة ولكنها تنبئ بحق عن الروح المذهبية والدينية التي كانت تسود الأدب في ذلك العصر.

وقد عرف الأدارسة معظم الأبواب التقليدية، غير أن الشعر السياسي كان طاغيا في الأبواب الأخرى نظرا للصراع القائم بين مختلف النزعات آنئذ، وكان بين أمراء الأدارسة عدد كبير من الأدباء والشعراء، ومنهم إدريس الثاني، ومن شرعه الأبيات التالية التي يعاتب فيها بهلولا الخارجي الذي خرج عن بيعته ودعا لإبراهيم بن الأغلب:

أبهلول قد شممت نفسك خطة تبلدت منها عولة برشاد

أضلك ابراهيم من بعد داره فأصبحت منقادا بغير قياد

كأنك لم تسمع بكيد ابن اغلب غدا آخذا بالسيف كل بلاد

ومن دون ما منتك نفسك خاليا ومناك ابراهيم شوك قتاد

وقد حضر داود الجعفري المتوفى سنة 261 إلى جانب إدريس الثاني في إحدى غزواته مع الصفرية، فلاحظ تقلبه على السرج وقلة استقراره، فأجابه إدريس بقوله: (ذاك مني زمع إلى لقتال وصرامة فيه، فلا تظنه رعبا) ثم تمثل ببيتين نسبا إلى الإمام علي وهما:

أليس أبونا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

فلسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نشتكي مما يؤول من النصب

وينم أدب المولى إدريس الثاني عن حماسته الفياضة وعزة نفسه وثباته في الحرب، ولدينا أبيات أخرى لإبراهيم بن القاسم بن إدريس يعاتب فيها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٢٥