وفيها حوصر أدارسة الريف في عهد موسى بن أبي العافية، وقد دافعوا عنها باستماتة، ومن المرجح إن هذه القلعة تقع قريبا من مضارب قبيلة سوماتة، بدليل أنقاضها التي لا تزال موجودة، أما أهم اثر تركه الأدارسة على الإطلاق، فهو:
جامعة القرويين:
نسب تأسيسها إلى فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري احد العرب المهاجرين من القيروان، وقد بنت القرويين من المال الذي ورثته عن والدها، وكان الشروع في البناء سنة 245هـ، أما مواد البناء نفسها فقد استخرجت من عين المكان، وحتى الماء استنبط من بشر كانت هناك، وكان المسجد يتألف من 4 اساكيب و12 بلاطة، وبلغت مساحة المسجد 1248م 2 ثم زيد فيه لأول في عهد عبد الناصر بواسطة الأمير احمد الزياني عامله على فاس، فصار على 13 اسكوبا و18 بلاطة، بينما بلغت مساحته 4 آلاف م2 *.
* وفي عهد يوسف بن تاشفين أصبح يشمل على 16 اسكوبا و21 بلاطة بينما بلغت مساحته 5846 مربع.
وفي أيام عبد الرحمن الناصر بنيت الصومعة الحالية، وثم الفراغ من بنائها سنة 345 على يد احمد ابن أبي بكر الزياني، وكان بناؤها من الحجر المنحوت، حتى في تبيضها منذ سنة 688،، وفي أيام يوسف ابن عبد الحق بينت حجرة المؤذنين.
وتعتبر القرويين أقدم جامعة في العالم، أو من أقدم الجامعات على الأقل، وكان المسؤول عن تسييرها قديما قاضي المدينة، وكانت شؤون المسجد والتدريس تكون جزءا من اختصاصات القضاة، وكانت المواد الدراسية ترتبط بالدين والغة العربية، من فقه وتفسير وأدب الخ .. وعرفت هذه الجامعة نشاطا عظيما في مختلف فروع المعرفة أيام الموحدين المرينيين ثم الإشراف، وعاشت القرويين منذ البداية على نظام الوقف الذي اتسعت موارده بعد المرابطين خاصة، أي بعد أن سادت الروح الدينية والعلمية في أوساط أهل فاس خاصة، وعلى العموم فقد كان العلماء متطوعين يلقون دروسهم بينما يشتغلون خارج القرويين بوظائف معينة كالعدالة والكتابة والقضاء، وفي عهد المرينيين بنيت مدارس كثيرة لإيواء الطلاب، وجهزت بخزائن تعين الطلاب على تحصيل العلم كما أسست خزانة عظيمة في مسجد القرويين أيام بني مرين.
وفي أيام العلويين بدأ إدخال النظام على القرويين بتقرير الكتب والمواد الدراسية أيام السلطان محمد بن عبد الله، كما أنشأت المطبعة الحجرية التي ساعدت كثيرا على نشر الكتب في مختلف العلوم والفنون، وفي أيام السلطان محمد بن عبد الرحمن.
أما في العصر الحاضر، فقد ادخل في سنة 1931 إصلاح جديد على القرويين بتقسيم مراحل الدراسة فيها إلى ابتدائي وثانوي ونهائي، في مقابل تجريدها من كل صبغة علمية، فلم يعد يدرس بها سوى مواد الفقه واللغة، حتى إذا كانت سنة 1942 عين أول مدير للقرويين درس على الطريقة العصرية إلى جانب الطريقة التقليدية، وهو الأستاذ محمد الفاسي الذي وضع نظاما دقيقا لامتحانات والمواد والكتب المقررة، وان ظل الإصلاح شكليا لا جوهريا.
وفي سنة 1957 وضعت الجنة الملكية لإصلاح التعليم برنامجا يبني على توحيد مواد الدراسة ومناهجها في مختلف معاهد المغرب، ولكن لم يدخل هذا التوحيد في ملحة التطبيق إلا بعد إنشاء المجلس لإصلاح التعليم، فأصبح التخصص يبدأ في المرحلة الثانية من السلك الثانوي، ومنذ سنة 1931 والصراع قائم بين المحافظين من علماء الدين، والمسؤولين عن شؤون التعليم من متطرفين ومعتدلين ونقطة الخلاف تنحصر حول إعطاء أهمية أكثر للعلوم الدينية، أو مسايرة القرويين لكل مناهج التعليم العصري.
وقد تركت جميع الدول التي تعاقبت على عرش المغرب منذ الأدارسة آثارا متعددة، من بينها في عهد المرابطين، المنبر الرائع الذي صنع في أيام المرابطين وباب الخلفاء الذي صنع في نفس الفترة سنة 531هـ ويبلغ طوله حوالي لأربعة أمتار، ومن آثار الموحدين الثريا العظيمة التي أبدع الصناع في زخرفتها، أما في عهد بني مرين، فقد صنعت ساعة مائية عظيمة، كما بنيت الخلوة العليا أيام السلطان لأبي فارس، وفي عهد السعديين بنيت القبة الغربية ذات السواري الثمان وفي أيام العلويين وقع ترميم شامل لمباني القرويين، وبنيت مكاتب الإدارة وقاعة كبيرة لمطالعة.