تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأذوب من طرب إذا *** ما أصبح جرد منصلا

وأهيم في قود الجيو *** ش ونيل أسباب العلا

وأهز مرتاحا إذا *** سرت المواضي في الطلا

قل للذي يبغي مكا *** ني هكذا أو لا فلا

وهذا المعتمد بن عباد يرى أن الحياة مهما طالت فهي مغنم وأن الهم لا مبرر لوجوده:

علل فؤادك قد ابل عليل *** واغنم حياتك فالبقاء قليل

لو أن عمرك ألف عام كامل *** ما كان حقا أن يقال طويل

أكذا يقود بك الأسى نحو الردى *** والعود عود والشمول شمول

لا يسبك الهم نفسك عنوة *** والكأس سيف في يديك صقيل

بالعقل تزدحم الهموم على الحشا *** فالعقل عندي أن تزول عقول

من شعراء المشرق نورد هذه الأبيات لعبد الله ابن المعتز، التي تعرب عن الفكرة نفسها:

ألا عللاني إنما العيش تعليل *** وما لحياة بعدها ميتة طول

دعاني من الدنيا أنل من نعيمها *** فإني عنها بعد ذلك مشغول

خذ لذة من ساعة مستعارة *** فليس لتعويق الحوادث تمثيل

تلك أمثلة لشعر الأرستقراطية العربية تقدم لنا نمطا من تفكيرها وعقليتها ونظرتها إلى الحياة، وتبين لنا كيف أن تلك الأرستقراطية كانت هي التي تقود ركب عشاق اللذة وتلهب حولها هذا الجو الراقص المرح السادر في نعمائه.

فلا عجب- إذن- إذا رأينا شعرنا في الطبيعة، تحت تأثير عوامل اجتماعية قوية، ينحصر في نطاق ضيق بعض الشيء، نطاق التمتع والتنعم، ولا عجب إذا رأينا تلك النزعة الاستمتاعية تظل غلابة في شعرنا العربي إلى أوائل القرن العشرين، بالرغم من تباعد الأزمان وتصرف الأحداث وتعاقب الثورات والانقلابات، ظل كما هو منذ العصر العباسي، لم يدخل عليه تغيير إلا في بعض الجزئيات، ولذلك فإن التفكير الاجتماعي نفسه لم يتغير وإن النظرة إلى الحياة بقيت على حالها، مما جعل الشعراء يحافظون في أوائل هذا القرن على مفاهيم وتقاليد ترجع إلى أكثر من ألف سنة.

ولا عجب كذلك إذا رأينا بعض الآفاق الإنسانية تظل مغلقة على شعرائنا فيما نظموه عن الطبيعة، هذه الآفاق سنجد لها أصداء كثيرة في الشعر الأوربي الذي ترعرع في ظروف اجتماعية أكثر رحابة ومرونة وأوسع حرية، كما سنقف على صور منها في شعرنا العربي المعاصر.

(يتبع)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢٢٠