إذا كانت هذه الفلسفة لا تعبر عن روح المجتمع في عمقه وفي مجموعه فما هو الجانب أو المظهر الاجتماعي الذي تترجم عنه؟ إنها تصور جانب الترف والرفاهية في المجتمع، وبعابرة أخرى، إذ رجعنا إلى التقسيم التقليدي للمجتمع الذي يميز بين طبقتين، طبقة الأغنياء والموسرين وطبقة الفقراء والمعوزين، فإن الشعراء كانوا يصورون في قصائدهم حياة الطبقة الأولى طبقة المحظوظين، طبقة المترفين الذين ينفقون في كمالياتهم أضعاف ما ينفقون على ضرورياتهم، وما كان لشعرائنا أن يخرجوا عن ذلك النطاق لأنهم بحكم تبعيتهم لتلك الطبقة وارتباطهم بها مضطرون لاتباع ذوقها وإحساسها الفني ولإشباع رغبتها في إيجاد شعر يكون في آن واحد مرآة لحياتها الباذخة وتمجيدا لمجالس سرورها وملذاتها.
ومعنى هذا أن معظم شعرائنا كانوا- في الواقع- شعراء قصور وإن لم يسكنوا كلهم القصور، فهم بدل أن يصوروا الحياة الاجتماعية من جميع جوانبها، لم يهتموا إلا بالجانب المشرق الناعم المترف، وأهملوا الجانب المتجهم العبوس، جانب البؤس والحرمان، وهم بذلك إنما يجيبون، كما رأينا، إحدى رغبات الطبقة المترفة، وطبيعي أن يؤثر المترفون الشعر البشوش الذي فيه تسلية ومتعة على الشعر الذي يتعمق في حقائق الحياة وحلوها ومرها والذي يشف عن صور ناطقة للمجتمع بما فيه من جور ومآس ومهازل ومكر وغدر وخيانة، والشعراء الذين حاولوا، مثل المعري وغيره، أن يقولوا الحق ويصورا بكامل الصدق ما تقع عليه أعينهم لم يلاقوا من تلك الطبقة الارستقراطية إلا الجفاء والصدود وظلوا يعيشون على هامش عصرهم وربما صادف شعرهم الإهمال والنسيان.
ولذلك فقد حرص الشعراء وهم الذين يعيشون في ظل تلك الأرستوقراطية ويستفيدون من رفدها وجراياتها، على أن يكون شعرهم قبل كل شيء، محصلا على رضاها واستحسانها منسجما مع مشاغلها ولون عيشها، مزكيا ملاهيها وملذاتها. وتعجبني في هذا الباب فقرة للأستاذ المرحوم أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام (ج.1ص 125) يقول فيها، في معرض الكلام عن العصر العباسي الأول:
«كثر النعيم، وكثر العنصر الفارسي العريق في المدنية، الممعن في الترف، وكثر الجواري يجلبن من الأصقاع المختلفة، وكثر الجمال وسفر، إذ لم تكن عامة الإماء يطالبن بحجاب، فقويت النزعة إلى اللهو والخلاعة والمجون التي وصفنا، وشعر قوم من الشعراء بهذه النزعة من الناس أمثال بشار وصريع الغواني وأبي نواس، فقادوا زمامها وألهبوها وسهلوا السبيل إليها».
«إن سكر القوم وشعروا بالحاجة إلى أبيات من الشعر تروي عاطفتهم، وتزين لهم عملهم، وتحملهم على المضي في شربهم، رأوا في شعر هؤلاء إرواء لغلتهم، وإن تشببوا في فتاة أو غير فتاة، فشعر الشعراء كفيل أن يجدوا فيه بغيتهم في صريح من القول غير كناية».
وكيف لا ينساق الشعراء مع تيار اللذة ونخبة القوم من خلفاء وملوك وأمراء ووجهاء ومفكرين يقدمون لهم الأمثلة الحية على هذا النوع من التفكير سواء في سلوكهم أو في شعرهم، إذا ما قدر لهم أن يقرضوا الشعر؟ فهؤلاء الشعراء يرون في الحياة جانبين: جانبا يعرفه الإنسان في الهم والتعب والكد وآخر ينال فيه بغيته من شهوات الدنيا ومغرياتها، وهو كالغاية بالنسبة لأول، ولننصت إلى الشاعر الملك المعتضد بن عباد يعبر عن هذا المعنى بأوضح تعبير فيقول:
قسمت زماني بين كد وراحة *** فللرأي أسحار وللطيب آصال
فأمسي على اللذات واللهو عاكفا *** وأضحي بساحة الرياسة أختال
وهذا أبو خالد هاشم بن عبد العزيز وزير محمد بن عبد الرحمان الأموي ملك الأندلس يريد أن يجمع بين صولة الرياسة ولذة الحياة المتنعمة:
أهوى معانقة الملا *** ح وشرب أكواس الطلى
ويسرني حسن الريا *** ض وقد توشت بالحلى