ليت شعري والنفس تعلم أن ليـ *** سَ بمجد على الفتى (ليت شعري)
هل لخالي زماننا من رجوع؟ *** أم لماضي زماننا من رجوع؟
أين أيامنا وأين ليال *** ض لبسن أفواف زهر
وزمان كأنما دب فيه *** وسن أو هفا به فرط سكر
حين نغدو إلى جداول زرق *** يتغلغلن في حدائق خضر
في هضاب مجلوة الحسن حمر *** وبواد مصقولة النبت عفر
نتعاطى الشمول مذهبة السر *** بال والجو في مطارف عفر
في فتو توشحوا بالمعالي *** وتردوا بكل مجد وفخر
وضح تنجلي الغياهب منهم *** ن وجوه مثل المصابيح غر
كل خرق يكاد ينهل ظرفا *** زان مرأى به بأكرم خبر
والحقيقة، فقد تفرد بمزية جعلته يسمو بشعره في الحب والطبيعة إلى مستوى عال يكاد يدرك سماء الوجدان الروحي، فهو في الغالب يصور لذته الحسية تصويرا عفيفا يكسوها حلة المثالية ويؤثر المعاني الرفيعة النبيلة، فانظر إليه - وقد هاجت ذكريات حبه أمام مناظر طبيعية رآها بمدينة الزهراء في هذه الأبيات التي تغلب عليها لهجة حزن صادقة:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا *** والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله *** كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم *** كما شققت اللباب أطواقا
يوم كأيام لذات لنا انصرمت *** بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر *** جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقى *** بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته *** فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى ينافحه نيلوفر عبق *** وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا *** إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
فلسفة تفرضها وضعية الشعراء في المجتمع:
يحق للباحث أن يتساءل عن أسباب غلبة هذه النزعة الاستمتاعية على شعرنا العربي في الطبيعة وعن مصدرها، مع أن المجتمع الإسلامي كانت تسري فيه تيارات روحية وصوفية قوية انعكست بعض آثارها على أبواب أخرى في الشعر وعلى جوانب أخرى من الحياة الثقافية والاجتماعية، وبعبارة أوضح، كيف أمكن لهذه الفلسفة المادية البحتة، المتنافية مع روح الإسلام، أن تنشأ وتنمو في أحضان المجتمع الإسلامي وأن يصبح لها تأثير عميق على الحياة العقلية والعاطفية في ذلك المجتمع؟
لاشك أن تلك الفلسفة صادرة عن واقع اجتماعي وأنها تعبر عن أحد الجوانب في حياة المجتمع، فهل معنى هذا أنها انعكاس تام وصادق لنفسية المجتمع العربي الإسلامي؟ وهل معناه أن حياة التنعم والالتذاذ كانت من المثل العليا بالنسبة لذلك المجتمع؟ إن التاريخ يفند مثل هذا الرأي تفنيدا باتا ويقدم لنا شهادات ناطقة تبين أن أسباب الألم والشقاء والبؤس كانت من الكثرة حتى أنها لتمنع معظم أفراد المجتمع من التفكير فيما يسمى بحياة الدعة والتنعم، مما دعا إلى ظهور تيارات فكرية قوية تدعو إلى الزهد أو التصوف، وهذا تاريخ الأندلس القريبة منا كله حوادث خطيرة وتقلبات ونكبات بالنسبة لعامة الناس، ومع ذلك، فإن شعر الأندلسيين يغفل عن أحوال المجتمع ومصائبه ولا يقدم لنا إلا صورا باسمة مشرقة لحياة كلها استمتاع وإخلاد إلى الدعة والرفاهية.