ونحن لا يعنينا في شيء أن ندخل في هذا النقاش، وإنما الذي يهمنا هو أن نركز هذه الملاحظة، وهي وجود نزعة قوية في الشعر العربي تدعو إلى وصف الطبيعة لا لكونها طبيعة، ولكن لأنها جزء من ملذات الإنسان، وما هذه النزعة إلا صورة من صور الأنانية البشرية التي تريد أن تجعل الإنسان محورا لكل الكائنات وتقيس الأشياء بالنسبة إليه.
وهي- بالإضافة إلى ذلك- تعبر عن فلسفة مادية في جوهرها حيث إنها تقتضي، كما رأينا، نوعا من الاستسلام للشهوة الحسية وحيث إنها تفضل اللحظة العارضة المختلسة على الزمان وتسلسله وما يتولد عن هذا التسلسل من تطور وتفاعل بين الأحداث، عملا بقول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب *** ولك الساعة التي أنت فيها
فهي فلسفة نظر أكثر منها فلسفة عمل، وهي فلسفة تنعم أكثر منها فلسفة كفاح، وهي فلسفة سكون أكثر منها فلسفة حركة.
وهذه الفلسفة هي أبعد ما تكون عن ما يسمى بفلسفة السعادة، لأن السعادة تدل على حالة روحية قارة عميقة تملأ ضمير الإنسان وتصاحبه في كل أعماله، سواء كانت شاقة أم مرحة، بينما اللذة هي حالة عارضة سطحية، قد يدركها المرء وسط الشجون والأتراح، كما أن الإقبال عليها قد يكون علامة على نوع من اليأس والتشاؤم في الحياة.
بقي علينا- الآن - أن نقدم بعض النماذج الشعرية التي قيلت عن الربيع وتدعم النظرية التي ذهبنا إليها، فهذا أبو الحسن الغويري، شاعر الصاحب ابن عباد لا يرى في قدوم الربيع إلا مناسبة يدعو فيها محبوبه لأخذ حظه من السرور:
أيها الصاحب الربيع تجلى *** في رياض تحار فيها العقول
نرجس ناضر وأحمر ورد *** وشقيق يزينه التكحيل
وغصون تجر أذيال نور *** في حواشي جداول وتميل
للزرازير في خلال الأزهيـ *** ـر صفير وللحمام هديل
فأقم رسمنا صبيحة نيرو *** ز به ربع أنسنا مأهول
بكؤوس مملوءة من مدام *** أنت لمن حساها عذول
ثم تأمل هذه الأبيات لابن خفاجة، التي تمتزج فيها الإشارات للجمال الإنساني مع صور عن جمال الطبيعة، فلا تدري أي الجمالين أعمق في النفس أثرا:
وإني، وإن جئت المشيب، لمولع *** بطرة ظل، فوق وجه غدير
فيا حبذا ماء بمنعرج اللوى *** وما اهتز من أيك عليه مطير
ونفحة ريح، للربيع، ذكية، *** ولمحة وجه، للشباب، نضير
ونعسة طرف العين من سنة الكرى، *** لرجع خرير، أو لشجو هدير
وقد لاح وجه الصبح، يندي، كأنه، *** وراء قناع الليل، وجه بشير
رأينا في القطعة الأولى كيف تقترن عند شعرائنا لذة الشراب مع التملي بمحاسن الطبيعة، ورأينا في الثانية كيف يلتقي الحب مع الطبيعة، وبقي علينا أن نرى لونا ثالثا يقف بين الاستمتاع الحسي واللذة الروحية، وهذا اللون هو الاجتماع بالإخوان في جو ملؤه الصفاء والمحبة، وأحسن من عبر عن هذه المشاعر هو -بدون شك- ابن زيدون شاعر الذكرى، فهو الذي يقول في قصيدة من إخوانياته بعث بها إلى صديقه أبي القاسم:
يا أبا القاسم الذي كان ردئي *** وظهيري على الزمان وذخري
يا أحق الورى بممحوض إخلا *** صي وأولاهم بغاية شكري
طرق الدهر ساحتي من تنائي *** ـك بجهم من الحوادث نكر