دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 .................... ص39
الربيع في الشعر العربي (*)
للأستاذ: محمد زنيبر
-3 -
تبين لنا في آخر المقال السابق أن الشعر العربي الذي قيل عن الربيع الذي قيل عن الربيع، من يوم نشوئه إلى وقتنا هذا، ينم في مجموعه عن مذهب فلسفي في الحياة، وهذا المذهب هو الذي يضفي عليه شخصية واضحة المعالم، وهو الذي، بالرغم من تباعد العصور واختلاف الشعراء، يخلق نوعا من التجاوب والتكامل بين الأشعار التي نظمت في الربيع، وإنك لتجد لتلك الفلسفة أثرا وراء معاني كل قطعة أو قصيدة وكأنه صدى يتردد أو نغم خافت يرجع.
فلسفة استمتاعية:
وتخبرنا هذه الفلسفة عما يحبه الشاعر في الربيع وعن أسباب تعلقه به، ولماذا يفرح لقدومه ويتحسر لفراقه، وما هي طريقته في تذوق جماله، وهل يحبه حبا أفلاطونيا أم بشريا. وكان من المأمول أن يكون لكل واحد من شعرائها مذهبه الخاص به في هذه المسائل حتى تتنوع الشخصيات ويتنوع معها الشعر، ولكن شعراءنا أخذوا كلهم بمذهب واحد، أو بالأحرى وجدوا أنفسهم مضطرين للأخذ به تحت عوامل قوية تفوق طاقتهم الفردية.
وقبل أن نلقي نظرة على تلك العوامل، يكون من الأفيد أن نطلع على محتوى تلك الفلسفة.
والواقع أننا لا نجدها موضحة في كتاب أو رسالة، ولم يجرؤ أي واحد من الكتاب والمفكرين الأقدمين أن يبسطها ويحللها، لأنها -كما سنرى- تتناقض مع مبادئ الإسلام من حيث كون هذه المبادئ تنبني على شيء من التقشف وكبح جماح النفس بينما هي تدعو إلى نوع من الاستهتار والإباحية، وإنما عبر عنها الشعراء لأن الشعراء يتبعهم الغاوون ولأنهم يستطيعون أن يضمنوا شعرهم من الأفكار الجريئة ما لم يكن يستطيع الكتاب الناثرون أن يعبروا عن جزء ضئيل منه.
فلنحاول-إذن- أن نستحضر عن طريق الشعر صورة مختصرة لتلك الفلسفة.
إنها تقدم لنا الإنسان وقد وضع لذته الحسية الشهوانية على رأس القيم التي يتعلق بها في حياته، فاللذة هي الجانب الأول الذي تترتب بالنسبة إليه جوانب الحياة الأخرى، ولذلك فهو لا يحب الطبيعة لذاتها أو لأسباب موضوعية خارجة عنه، وإنما لكون الطبيعة من إحدى لوازم لذته ومقوماتها، فهي المركز وهي الإطار لمجالس سروره ولهوه، فحبه ليس بحب إذا لم يداعبه النسيم ولم تناغه الطيور من فوق الأدواح، وسكره ليس بسكر إذا لم يجلس أمام روض تفتحت فيه أكمام الورد وسطع نور الأقحوان، وسروره ليس بسرور إذا لم تتجاوب أنغام الأوتار مع شدو الأطيار وميلان الأشجار، فالطبيعة هي- بالنسبة إليه- ذلك المناخ الدافئ المنعش الذي يطفح فيه السرور وتتضاعف كل لذة.
تلك صورة موجزة كل الإيجاز عن مذهب شعرائنا في الحياة عندما يتغنون بالطبيعة ويتجهون إليها، فتصويرهم لجمالها يقترن في الغالب مع وصف الملاذ والشهوات الحسية، وترى التجاوب بينهم وبين ما يحيط بهم من صور كونية مبنيا على إرضاء حاجاتهم في التنعم والاستمتاع. وهذا ما حدا بالمرحوم «أحمد أمين» إلى أن ينعت، في بعض مقالاته، الأدب العربي بأنه «أدب معدة»، وقد أقام بقوله هذا تائرة المرحوم «زكي مبارك»، ونشأت بين الكاتبين مناقشة طريفة في الموضوع.
(*) ملاحظة: تابع لما نشر في العددين الثاني والثالث من مجلة دعوة الحق- السنة الرابعة