تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليالي بات العز في غير أهله

وعظم وغد القوم في زمن الوغد

وما قصدوا إذ يسبحون على المنى

برودهم إلا إلى وارث البرد

وراموا دم الإسلام لا من جهالة

ولا خطا بل حاولوه على عمد

فمحوا به سما وصابا ولو نأت

سيوفك عنهم كان أحلى من الشهد

ضممت إلى قحطان عدنان كلها

ولم يجدوا إذ ذاك من ذاك من بد

فأضحت بك الأحياء أجمع ألفة

كما أحكمت في النظم واسطة العقد

وكذلك كانت الغابة من الرثاء التنويه بالمجد والبطولة والقيم الرفيعة. وقد برز ألو تمام في مناوحه كما برز في مدائحه. وحسبنا أم نشير ولو قليلا إلى مرثيته في محمد بن حميد الطوسي.

فلقد أرسل الخليفة هذا القائد العربي لمحاربة بابك الخرمي الذي ثار في الجبال على الدولة العربية في حدود جمهورية أذربيجان الحالية. فلما بلغ منطقة بابك الجبلية عربيا من «هشتادسر» وزع قسما من جنوده للقتال وتقدم بهم.

ولكن العدو علم بأمرهم فكان بابك يشرف عليهم من الجبل وقد كمن الرجال تحت كل صخرة. فلما صعد أصحاب القائد العربي في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ لاجتياح معاقل العصاة، خرج عليهم الكمناء، وانحدر بابك إ ليهم فيمن معه، وانهزم الناس، فأمرهم محمد بن حميد بالصبر فلم يفعلوا ومروا على وجوههم والقتل يأخذهم.

ويذكر التاريخ أن القائد العربي صبر مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، ورأى جماعة وقتالا فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته فقاتلهم وقاتلوه، وضربوا فرسه بمزراق فسقط إلى الأرض، واكبوا على محمد بم حميد فقتلوه. ولما وصل خبر هذه الهزيمة إلى بغداد وإلى المأمون عظم ذلك عنده جدا.

هنا تأتي رسالة الشعر لبعث الهمم من جديد، لقد هز مقتل ذلك البطل العربي نفس أبي تمام هزا عنيفا، فها هو ذا يغمس طرف ردائه في مداد، ثم يضرب به كتفيه وصدره إلزاما لنفسه تألبن الشهيد وتخليد اسمه أخرى الدهر، ولكي يرى الناس أن الأبطال إذا استشهدوا في المواقع، فهم إحياء عند الله مخلدون في الفن. وهاهو ذا ينشد مرثية من أجمل مراثي قرطبة:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

وليس لعين لم يفض ماؤها عذر

يقول فيها:

فتى كلما فاضت عيون قبيلة

دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر

فتى دهره شطران فيما ينوبه

ففي بأسه شطر وفي جوده شطر

فتى مات بين الطعن والضرب ميتة

تقوم مقام النصر إن فاته النصر

وما مات حتى مات مضرب سيفه

من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

وقد كان فوت الموت سهلا فرده

الية الحفاظ المر والخلق الوعر

ونفس تعاف العار حتى كأنما

هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله

وقال لها من تحت أخمصك الحشر

يصف الشاعر بإشارات خاطفة ومجازات معبرة كيف استشهد المرثي، سرعان ما يبدل ببراعته الفنية ثيابه الملطخة بالدم الأحمر ويكسوه حللا سنية من السندس الأخضر:

تردي ثياب الموت حمرا فما دجا

لها الليل إلا وهي من سندس خضر

هذه القصيدة كان لها وقع ضخم بين الأمراء والقواد. ويؤثر القائد العربي أبو دلف العجلي هذه على الحياة نفسها فيقول لأبي تمام: «وددت والله إنها لك في» فيقول أبو تمام: «بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم قبله» فيقول أبو دلف: «لم يمت من رثي بهذا الشعر».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢١٤