تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكان منهم بيت الخلفاء والأمراء والعلماء والقسم الأكبر الأعم من الشعب. وأصبح الخليفة القوي بعد ذلك من يستطيع أم يجد من نفوذ الفرس المهيمنين على جهاز الإدارة ومن سيطرة الترك الذي كانوا يملكون زمام الجيش.

ولم يكن بد لهذا العصر المعقد من أن تلوح صور عناصره المتشادة المتضادة المشتبكة في فن شاعر صناع ملهم، عاش حياة عصره واشترك في إحداثها ما أمكن له الاشتراك. ولقد أدرك أبو تمام رسالة الشعر في ذلك المجتمع المعقد، وفهم غايته السامية النبيلة.

فالشعر ليس مجرد فن كملت عناصره وأتقنت أداته، وبلغ الأوج في الإبداع والصناعة الفنية، وإنما هو وسيلة للحفز على المعالي، وحث على تحقيق القيم الرفيعة، وسعى لتأليف عناصر الدولة وإشادة بأبطالها الذين يخدمون القضايا العربية. إنه شعلة توضح سبل المكارم وطرق التقدم. وهذا يتجلى في بيت أبي تمام المشهور:

ولولا خلال سنها الشعر ما درى

بغاة العلا من أين تؤتي المكارم

وإذا لجأ شاعر كبير مثل أبي تمام إلى المديح وإلى الرثاء، فإنما مثله مثل النحات أو المصور، يمثل الخصال الحميدة، والمآثر الكريمة، ويصور الشمائل الإنسانية العالية والمناقب الرفيعة، لتكون قدوة تحتذى، وأسوة يؤتسى بها، وسبلا تسلك. أما الأعطيات فكانت مثوبة للشعراء وتقديرا لفنهم ونوعا الرعاية لهم والرغبة في تفرغهم وانصرافهم إلى تجويد فنهم. كان الفن بالنسبة إليهم صنو المجد والبطولة.

فكما أن المجد والبطولات تخترع المعالي اختراعا، وتأتي بالأمور الباهرة العظيمة الغريبة، كذلك ينبي أن يخترع الشاعر معانيه وصناعته اختراعا، ويبدع فيها إبداعا، لأنه لا فن إلا بالطريف المبكر.

يقول أبو تمام في ممدوحه:

غربت خلائقه فأغرب شاعر

فيه فأبدع معرب في معرب

إن الشعراء العرب كانوا متصلين بالواقع متقيدين به، لا يتصورون في الغالب قيمة من القيم إلا وهي متمثلة في إنسان، ولذلك كانوا ينوهون بتلك القيم العالية في ممدوحهم ومرثيهم. كانت هذه طريقتهم في الماضي ولا نستطيع أن نفهم فنهم بدون ذلك.

ولقد كانت المشاعر العربية تملأ قلب أبي تمام، وهو الشاعر الطائي لا كما يدعي خصومه وبله المستشرقين، فكانت تلك المشاعر تتلألأ كالنور من خلال مصوغ شعره الحالي، ومؤثل بيانه العالي.

وهو لم يترك موقعة خاضها العرب إذ ذاك إلا وخاضها بلسانه، وأبدع فيها ما شاء له الإبداع، وحباها صفة الخلود الفني. لم يكن قابعا في بيته، ولا منزويا في برجه، وإنما كان يطوف في البلاد العربية بالغا إلى الثغور البعيدة والخطوط الأمامية، متحسسا رحي الميدان، متسمعا إلهام الواقع متلمسا أصيل البيان. بقي شعره في عمورية أخلد من عمورية نفسها على أهمية هذه المعركة القومية التي كما جاء في قوله عن الروم:

أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم

صفر الوجوه وجلت أوجه العرب

ولقد مدح الأفشين القائد الكبير التركي النسب، الفارسي اللقب، حين خدم الدولة والعرب. ولما ظهرت خيانته وقتله الخليفة واحرقه، نهد أبو تمام فدعم اتجاه الخليفة وأحرقه الأفشين بنار شعره وأدخله نار الجحيم قبل يوم الجحيم:

صلى لها حيا وعذب ميتا

فيها ويدخلها مع الفجار

ونجد من ثنايا أشعاره كلها تلك العاطفة العربية العريقة العميقة التي تنوه دائما بجمع قبائل العرب، وتنبههم على مكايد الأقوام الأخرى ممن لم يبلغ الإيمان إلى قلوبهم. فهو يندح حفص بن عمر الازدي الذي كان وجيها من وجهاء العرب في بعض الثغور المتطرفة ويذكر ما لحفص هذا من فضل في جمع القحطانيين والعدنانيين وتوكيد وحدتهم:

وأنت وقد مجت خراسان داءها

وقد نغلت أطرافها نغل الجلد

وأوباشها خزر إلى العرب الأولى

لكيما يكون الحر من خول العبد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢١٣