تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشعر صدر الإسلام، كان من اخص صفات هذا الشعر الاتباعي الكلاسيكي. ولكننا نجد هنا في شعر أبي تمام أن اللفظ أحيانا يتحمل أكثر من معناه المخصص له، ولذلك كان هذا الفن قريب الصلة بإيحاء شعور الروعة والسمو والفخامة والخطابة، وأشد شفوفا عن المأساة

لاصطراع العناصر التي يشتمل عليها. وهذا هو السبب الذي من أجله برز أبو تمام في المدائح والمراثي، لأن الأولى أقرب إلى جو الفخامة والروعة، ولان الثانية ملتصقة بالمآسي أشد الالتصاق. وقد ذكر القدماء قيمة مدائحه ومراثيه، ونوهوا بها دون أن يبينوا لنا سبب ذلك، ولا آصرته بفنه الذي رفع أركانه. فالمقابلة بين الأضداد والحدود المتغايرة من شأنها أن تظهر مشقة الجهد وبلوغ المدى البعيد هذه الحدود المتغايرة يؤثر بعضها في بعض.

ويشير الشاعر أحيانا إلى هذا التأثير المتبادل الذي يدعى في الفلسفة الحديثة بالفعل الجدلي وفي العلم الحديث بالفعل ورد الفعل (أو الارتكاس).

قال يصف جمله مبينا أنه نشأ من رعية الفيافي والغياض، ثم نحل وضعف من جوبه تلك القفار والرياض، فكأنما رعته بعدما رعى نبتها:

رعته الفيافي بعدما كان حقبة

رعاها وماء الروض ينهل ساكبه

وكذلك يصف شعلة الشيب في المفارق. الهموم تستثيرها وهي في المقابل تستثير الهموم:

تستثير الهموم ما اكتن منها

صعدا وهي تستثير الهموما

ولاشك أنه كان واعيا لفنه هذا المستند إلى الحدود المتغايرة المتقابلة إذ كان يجدها في الواقع حين يصفه. يذكر في مديح له لفظ نوافر الأضداد ليصف مجد الممدوحين الغريب في فن كان حقا غريبا في عصره:

قد بثثتم غرس المودة والشحـ

ـناء في قلب كل قار وباد

ابغضوا عزكم وودوا نداكم

فقروكم من بغضة ووداد

لاعدمتم غريب مجد ريقتم

في عراه نوافر الأضداد

ونحب أخيرا أن نؤكد اعتماد أبي تمام للحدود المتناقضة حتى في أغلب الأحوال. فهو في موقف المديح مثلا بتصور الممدوح غريبا وهو بين عشيرته وأقربيه وكثرة المحيطين به، كما يتصوره أيضا وهو يفيض بالحياة ميتا. ولولا مهارة أبي تمام وحذقه لسمج ذلك سماجة كبيرة. ولكن فنه الذي نظن أنا جلونا أصوله يشفع بذلك كله:

غربته العلا على كثرة النا

س فأضحى في الأقربين جنيبا

فليطل عمره فلو مات في مر

ومقيما بها لمات غريبا

ولا غرو أن يعتمد شاعر فيلسوف مثل الطائي هذا النهج الشعري الفكري القائم على صراع الحدود، في ذلك العصر الذي اشتد فيه التمايز بين طبقات الشعب وفنائه، على خلاف ما كان الأمر عليه في فجر الإسلام وريقه من تضامن عميق بين الناس. فلقد تكونت في العصر العباسي طبقات اجتماعية مستندة إلى فروق اقتصادية بارزة، بعضها متمول مترف مجدود، وبعضها فقير مكدود مجهود. ولا ننس أننا هنا من زمن أبي تمام في عصر تبدأ فيه فتن وثورات متعددة.

كذلك تكونت طبقات عرقية كانت تتنافس ظاهرا وباطنا على الحكم. وأهمها الفرس الذين كانت تتألف منهم غالبية موظفي الإدارة والدواوين، وكانوا يدخلون على الدولة عاداتهم وأزياءهم القديمة التي ورثوها عن أجدادهم. وكانوا ينتحلون التشيع كأنما يريدونا أن يدلوا على الخلفاء العباسيين، ويشيروا من طرف خفي إلى اغتصابهم حق الخلافة، وينالوا لقاء سكوتهم درجات أعلى في الدولة.

وقد بدأت تتوطد في زمن المعتصم طبقة الترك التي كانت تؤلف أغلبية الجيش وقواده، أما العرب

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢١٢