المطر، وغيث باطن مضمر وهو الصحو. إننا في نثرنا نظم أبي تمام بخيل ألينا كأنما نخلص كلام هيجل في الديالكتيك الذي صنعه، ولو عالج هذا الفيلسوف هذا الموضوع لما أتى بشيء أكثر:
نزلت مقدمة المصيف حميدة
ويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه
لاقي المصيف هشائما لا تثمر
كم ليلة آسى البلاد بنفسه
فيها ويوم وبله مثعنجر
مطر يذوب الصحو فيه وبعده
صحو يكاد من الغضارة يمطر
غيثان فالأنواء غيث ظاهر
لك وجهه والصحو غيث مضمر
وهو يرى من خلال هذا التضاد أن الحركة هي الأصل في حسن الطبيعة وجمال الأرض، على خلاف الأشياء المصنوعة الثابتة:
أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت
سمحت، وحسن الأرض حين تغير
أبو تمام في رأينا أبو الجدل الحديث المستند إلى التغيير وإلى الحركة. ولكنه إذا انتهج الجدل هذا في شعره. كان ذا مذهب شعري مبتكر، وأن مس هذا المذهب الشعري الفلسفة، كما أن هيغل بعده بأحقاب كان ذا مذهب فلسفي جديد، وإن كانت دعائمه تستند إلى بعض الاعتبارات الفنية.
إن الشعر العربي في الحقيقة لم يخل في يوم من الأيام من هذه المقابلات المتضادة التي هي من خصائص الفكر. ولكن الفرق كبير بين أبرزها حين تشف عن حركة طبيعية دون أن يتجاوز التعبير هذه الحركة، وبين اعتماد التضاد وتصالب الأفكار وتقاطعها في أغلب الأحيان إن لم يكن في جميعها، للبلوغ إلى الغرض الفني.
إن الشجاع الحق، والمقدام الواعي، يلوح له الإحجام كما يلوح له الإقدام. ولكنه بعد التردد الطبيعي ولو كالبرق يرفض الإحجام، لان فيه الذل، ولأنه يليق بالحياة الكريمة الصحيحة. فالإنسان كل الإنسان يقدم ولا يفر ولو لاح له في الخيال إمكان الفرار. هذه هي جدلية الإقدام. وقد عبر عنها الشاعر العربي القديم الحصين بن الحمام أجمل تعبير وأوجزه حين قال:
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد
لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فرسم الشاعر العربي القديم هذه الحركة النفسية بعبارات دقيقة كاملة الدلالة متقنة الأداء، وبقي كلاسيكيا في تعبيره، لأنه كان رفيقا بهذه العاطفة النفسية ولم يصورها بعنف ولا باستعارات متعمدة. كما يصنع أبو تمام.
لقد أراد هذا الشاعر أن يمدح الخليفة المعتصم في قصيدته التي على اللام وأن يصفه بالشدة واللين معا، فهو يعتمد لفظي السهل والجبل مجازا فيقول:
شرست بل لنت بل قانيت ذاك بذا
فأنت لاشك فيك السهل والجبل
وهذا ما يختلف تماما عن تعبير أبي نواس الذي نظر إليه أبو تمام كما يقول المتقدمون:
كالدهر فيه شراسة وليان.
إن من صفات الديالكتيك طرح الفكرة ثم نقضها جمع الفكرة والنقيض معا فيما يدعى بالتركيب. ومع أن هذا البيت السالف لا يحبه علماء البلاغة لما فيه من تكلف، نجده يشف عن هذه المراحل الثلاث من الإثبات والنفي أو الفكرة وطباقها وتركيبها. ونجد مثل ذلك في هذا الاستهلال:
من سجايا الطلول ألا تجيبا
فصواب من مقلتي أن تصوبا
فاسألنها واجعل بكاك جوابا
تجد الدمع سائلا ومجيبا
وهكذا يتجلى الفكر الديالكتيكي بأبرز صوره عند أبي تمام في إطار فنه الذي رفع لواءه. وإذا كان الجمال الفني يحصل من مطابقة اللفظ للمعنى والمعنى للفظ، وكانت هذه المطابقة حاصلة في الشعر الجاهلي