تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أبو تمام فالقدماء مجمعون على خروجه عن عمود الشعر العربي، هذا مع اطلاعه الواسع على اللغة وعلى أساليب العرب. يروي أن أعرابيا سمع قصيدته:

طلل الجميع لقد عفوت حميدا

وكفى على رزئي بذاك شهيدا

وسئل كيف ترى هذا الشعر؟ فقال: «فيه ما استحسنه، وفيه ما لا أعرفه ولم أسمع بمثله. فأما أن يكون هذا الرجل اشعر الناس جميعا، وأما أم يكون جميع الناس أشعر منه».

ويروي أيضا أن اللغوي المشهور ابن الأعرابي سمع شعره فقال: «إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل».

هذا مع أخبار كثيرة تشير إلى تجديد أبي تمام وإلى تعقيد شعره، كتعقيد تلك الحضارة التي اتسع سلطانها إذ ذاك الاتساع كله.

وللاتجاه الديالكتيكي الذي اتجهه أبو تمام استطاع أن يولد كثيرا من المعاني «كم ترك الأول للآخر» كما يقول. وقد عرض أبو العلاء المعري رأيه فيه في رسالة الغفران فقال «كان صاحب طريقة مبتدعة، ومعان كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار، ويفض عنها المستغلق من المحار». ويذكر رأيه قي موضع آخر من الرسالة على لسان عنترة العبسي حين وقف ابن القادح في الجحيم فقال: «وإني إذا ذكرت قولك «هل غادر الشعراء من متردم» لأقول إنما قيل ذلك وديوان الشعر قليل محفوظ. فأما الآن فقد كثرت على الصائد الضباب وغرقت مكان الجهد الرباب (1) ولو سمعت ما قيل بعد مبعث النبي (ص) لعتبت نفسك على ما قلت وعلمت أن الأمر كما قال حبيب بن أوس:

فلو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت

حياضك منه في العصور الذواهب

ولكنه صوب العقول إذا انجلت

سحائب منه أعقبت لسحائب

فيقول و ما حبيبكم هذا؟ فيقول شاعر ظهر في الإسلام، وينشده شيئا من نظمه، فيقول: أما الأصل فعربي، وأما الفرع فنطق به غبي، وليس هذا المذهب على ما تعرف قبائل العرب، فيقول وهو ضاحك مستبشر: إنما ينكر عليه المستعار. وقد جاءت العاربة في أشعار كثيرة من المتقدمين، إلا أنها لا تجمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوس».

هذا وقد التزم أبو تمام النهج الذي سلكه في جميع شعره، ولابد لنا من بيان ذلك في بعض الأغراض الشعرية ولو قليلا لأهميته فيما نقصد إليه. يقول حبيب:

ولكنني لم أحو وفرا مجمعا

ففزت به ألا يشمل مبدد

ولم تعطني الأيام نوما مسكنا

ألذ به ألا ينوم مشرد

وطول مقام المرء في الحي مخلق

لديباجتيه فاغترب تتجدد

فاني رأيت الشمس زيدت محبة

إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

فالوفر المجمع، والشمل المبدد، والنوم المسكن، والنوم المشرد، كل منها قرين الآخر. والإقامة والاغتراب والأخلاق والتجدد، كلها تجري مشتبكة متصلا بعضها ببعض. حتى الشمس ينبغي أن تغيب وان تشرق، وأن تظهر وأن تحجب، حتى تزيد محبتها، التضاد هنا أساس التفكير كما يقول الجدليون.

ويصف أبو تمام الربيع، فيجلب انتباهه أنه ختام الشتاء بما احتوى من أمطار هو الذي هيأ ثمرات الصيف. فالشتاء محمود برغم عوادي برده ووبله. إنما نجد في الربيع مطرا يشتمل على صحو، وصحوا يشبه في غضارته المطر. فالربيع إذن مطر في صحو وصحو في مطر. والغيث غيثان: غيث ظاهر وهو

(1) في الطبعة التي حققتها بنت الشاطئ: «وعرفت مكان الجهل الرياب» ولم يظهر معنى هذه الجملة المحققة. وربما كانت محرفة عما أثبتناه. وإنما أوحى إلى أبي العلاء بهذه الصورة بيتا أبي تمام الآتيان

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٢١٠