دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 .................... ص32
أبحاث ومقالات: فن أبي تمام
للدكتور عبد الكريم اليافي
-2 -
على أن الخاصة الكبيرة البارزة في شعر أبي تمام اعتماده على تغاير الحدود والتضاد. التضاد يتبوأ مكانة كبيرة في هذا النوع من الفن الشعري. إنه تلوين بالأضداد إذا أردنا أن نعتمد التشبيه. وإنما يحصل الغرض الشعري هنا من تقاطع الفكر المتضادة واشتباكها. ويسمى علماء البديع ذلك طباقا إذا وقع بين لفظين ومقابلة إذا وقع بين جملتين. ولكن القضية هنا أعمق من ذلك بكثير. فتفكير أبي تمام قائم على مراعاة التضاد في أغلب الأمور. إن تفكيره يصح أن ننعته في العصر الحاضر بكونه جدليا.
فهو في الشعر يجمع غالبا بين الأضداد والعناصر المتنافرة المتغايرة.
لنستمع إلى هذه المقابلات ذات الإضاءات النسبية المتضادة إن صح هذا المجاز في القصيدة نفسها وهو يصف عمورية:
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى
يشله وسطها صبح من اللهب
حتى كان جلابيب الدجى رغبت
عن لونها أو كان الشمس لم تغب
ضوء من النار والظلماء عاكفة
وظلمة من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت
والشمس واجبة من ذا ولم تجب
والقصيدة كلها تتجه هذا الاتجاه، وتسلك هذا النهج، وتعتمد في بلوغ غرضها الفني اشتباك المعاني العنيف، وتقاطع الدلالات المتضادة، وتقابل الصور والأفكار، و مراعاة نسبها الفنية، كما يعمد إلى ذلك بعض المهندسين أو المصورين.
أن أبا تمام أكبر مجدد قي الشعر وتركيبه أو عموده كما يقول النقاد القدماء الذين انتبهوا إلى هذا التجديد ووعوه تماما. فقد تناول أبو تمام الأغراض الفنية القديمة فوقف بالطلول وبكائها، وشبب ومدح ورثى ووصف واستعمل كثيرا من الألفاظ العربية الغربية، وبعض الباحثين الحديثين في الأدب العربي فلم يدركوا حركة التجديد إلى أبي نواس الذي أراد أن يعالج بعض الأفكار الجديدة الخارجة عن العرف والعادات، ولكنه كان اتباعيا كلاسيكيا في شعره بخلاف أبي تمام.
و الدليل هو أن النقاد القدماء كانوا راضين عن أبي نواس جملة، ما عدا إفحاشه في القول، وجرأته على العرف، وخروجه عن العادات الحميدة، إذ هو لم يتنكب عن عمود الشعر العربي. ولقد قال فيه الجاحظ «ما رأيت رجلا أعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجة مع مجانية الاستكراه». وقال ابن السكيت معاصر أبي تمام: «اذا رويت من أشعار الجاهليين فلا امرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلابي نواس فحسبك».