فقد قال الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوي: أن المفتي حكمه حكم الطبيب ينظر في الواقعة ويذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان؛ فالمفتي طبيب الأديان وذاك طبيب الأبدان، وقد قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أحكام بحسب ما أحدثوا من فجور، ثم نقل عن السبكي في فتاويه ما معناه: يوجد في فتاوي المتقدمين من أصحابنا أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة لأنها وردت وقائع فغلبهم رأوا أن تلك الوقائع يستحق أن يفتي فيها بذلك ولا يلزم اطراد ذلك واستمراره «انتهى المراد من كلام السيوطي».
وقال العلامة التسولي في البهجة قبيل المساقاة: وقد نص العلماء على أن الفتوى دائرة على مقتضى الحال، وقد اشبع الإمام إبراهيم في كتابيه أعلام الموقعين عن رب العلامين الكلام عن مسألة تغير الفقه وتطوره بتغير الأحوال والنيات والعوائد والعصور والأمكنة بما لا يوجد في غيره.
وقال الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغي في مذكرة له في إصلاح
كتب الفقه الدراسية والنظر في الأحكام الإجتهادية كلن رفعها ملك مصر إذ ذاك ونشرتها مجلة الفتح القراء في بعض أعدادها:
«يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب لمذهب، وان تدرس قواعده مرتبة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة والأحكام المجمع عليها، والنظر في الأحكام الإجتهادية بجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والعرف وأمزجة الأمم المختلفة كما كان يفعل السلف من الفقهاء»
وأني ذاكر قضية كان أفتى فيها بعض أشياخي بمذهب أشهب؛ وذلك أن مستفتيه كأن حلف على زوجه أن لا تفعل شيئا ولم تبق له إلا طفلة واحدة فأحنتته بفعلها لذلك الشيء، وكان هذا المستفتي فقيرا لا يستطيع دفع نفقة أولاده أذا ضمتهم إليها لكون الحضانة لها، كما أنه لا يستطيع الزواج بأخرى من جديد لقلة ذلت يده فأفتاه مراعاة لحاله بمذهب أشهب أنه لا يحنت، معاملة للمرأة بنقيض قصدها مع أنه قول ضعيف في المذاهب.
فالشريعة والفقه غير منحصرين في المذاهب الأربعة فجمع أئمة المسلمين ومجتهد يهم قد استقوا مذاهبهم من الشريعة وقواعدها، فلا يعد أحد من قلد واحد منهم في بعض المسائل خارجا عن الشريعة.
واختلاف الأئمة رحمة لهذه الأمة كما قال ذلك مالك للرشيد لما أراد أن يحمل الناس على موطئه.
قائمة المسليمن ومجتهديهم كلهم على هدى من الله كما قال علماؤنا فلا يصح لأحد أن يجعل الحق منحصرا في مذاهب الأئمة الأربعة وحدهم ولا في غيرها من المذاهب.
بل لو قلنا كما قال الجمهور أن المصب واحد فغنه غير معين باتفاقهم.
فكلهم على هدى ورحمة رحمهم الله وجزاهم عن المسليمن خير جزاء فاختلافهم ناتج عن الاستنباط المؤسس على قواعد محكمة استخرجوها من نصوص الشرع العامة والخاصة، وغير بعيد أن يستخلص منه قانون محكم يساير الظروف، يفوق القوانين الوضعية ويغني الأمة الإسلامية على غيره من الدساتير الأوربية التي قد تكون مخالفة لهدي الشريعة الإسلامية
يقول الدكتور محمد يوسف موسى أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة عين شمس بالقاهرة في كتابه «تاريخ الفقه الإسلامي» ومما نغتبط له أيضا أن يوصي رجل كبير في عالم القانون وهو الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري بالعناية بالشريعة الإسلامية ليكون ذلك وسيلة من أهم الوسائل للخروج بالفقه الإسلامي من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية، وهو في هذا يقول من كلمة جد طيبة له (وهذه الشريعة الإسلامية لو وطئت أكنافها وعبدت سبلها لكان لنا هذا تراث الفقهاء الماضين- ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وفي قضائنا وفي تشريعنا، ثم لا شرفنا نطالع العالم بهذا النور الجديد فنضيء به جانبا من جوانب الثقافة العالمية في القانون).