تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النظام الجديد:

ولنأخذ بالبحث الآن النظام الجديد للتعليم الذي أقامه الإنجليز في بلادنا

إن أولما يتساءل عنه بالنسبة لكل نظام للتعليم في الدنيا هو أنه من أي طراز يريد أن يعد الطلاب؟ وما هو المعيار الإنساني الذي يعتمده عند تربية الطلاب وتعليمهم؟

فنحن إذا نظرنا من ناحية هذا السؤال المهم الأساسي، وجدنا أن الانكليز ما أقاموا هذا النظام الجديد في بلادنا بغية المحافظة على ثقافتنا القومية وترقيتها، ولم يكن أمام أعينهم، بل لم يكن أمام أعين الانكليز عند تنفيذه ولا ذلك المعيار الإنساني، الذي كانوا قد وضعوه أمام أعينهم عندما نفذوا نظام التعليم في بلادهم نفسها. فإنه إنما كان منشودهم ومطلوبهم في بلادهم نفسها. فإنه إنما كان منشودهم ومطلوبهم في بلادهم لا في بلادنا نحن. أما الأفراد الذين أرادوا أن يعدوهم هنا، فإن أول صفة تمنوا أن يروهم متحلين بها هي أن يكونوا لهم كأحسن ما يكونون من الآلات الماكينيكية التي لا إرادة لها ولا ضمير، فقد كانوا هنا بحاجة إلى أشخاص يفهمون لغتهم ويعرفون مبادئهم التي كانوا يريدون أن يسيروا عليها نظام حكمهم، ويكونون أهلا لأن ينفذوا في هذه البلاد إرادتهم كما لو نفذوها هم أنفسهم. فتلك هي الغاية الوحيدة التي لتحقيقها أمام الإنكليز في بلادنا هذا النظام الجديد، ولذا فإن جميع العلوم التي جرت دراستها تحت هذا النظام، ما كانت تمت بصلة إلى الإسلام أبدا ولا كان ذلك من الممكن، بل ان كل ما نالته تحت قيادة المنحرفين عن الدين وعقيدة وجود الله، حيث أن الطبقة الدينية التي كانت موجودة هناك، كانت قد أبعدت عن ميدان الفكر والعمل، ولذا فإن جميع العلوم -من الفلسفة والعلوم التجريبية ( Sciences) والتاريخ والاجتماعيات -ما رزقت النمو والكمال إلا على أيدي أفراد إذا لم يكونوا منكرين لوجود الله، فقد كانوا لا يشعرون -على الأقل- بحاجة ما إلى هداية منه في حياتهم الدنيوية. فهذه العلوم هي التي جاء بها الإنكليز إلى بلادنا ونفذوها فيها بعين كتبها وهي التي لا تزال الدراسة بها جارية في بلادنا حسب هذا المنهاج حتى يومنا الحاضر. ولذا فإن الذين تخرجوا تحت هذا النظام ما زالت أفكارهم ونظرياتهم تتطبع -بطبيعة الحال- بطابع أساتذة الغرب، فابتعدوا عن الدين وتخلوا عن الفكرة الدينية والأخلاق الدينية، ولا غرو، فإنه إذا كانت جميع العلوم التي يتلقاها الطالب عن الدنيا منذ التحاقه بالمدرسة الابتدائية إلى آخر مراحل تعاليمه، خالية عن فكرة الدين وعبودية الإنسان لله تعالى، فكيف يغدو من الممكن أن يجد الاعتقاد بالله سبيلا إلى ذهنه وقلبه؟ إنه لا يسمع بذكر الله تعالى ولا بدينه ولا بشريعته في كل ما يدرس من الكتب، فإذا درس التاريخ، وجد فيه الحياة الإنسانية تعمل بنفسها لصلاحها وفسادها، وإذا درس الفلسفة وجد فيها لغز الكون يحاول الانحلال بنفسه بدون حاجة إلى نوع من الهداية من رب السماوات والأرض، وإذا درس العلوم التجريبية وجدها تنظر في هذا الكون بحيث هو يسير بنفسه بدون صانع حكيم ومدبر لشؤونه، وإذا درس القانون والسياسة والاقتصاد وما إليها من العلوم الأخرى، وجدها لا تبحث أبدا في ما وضع رب الناس وألهمهم من المبادئ والأحكام للحياة الإنسانية، بل وجد من فكرتها الأساسية أن الإنسان مالك لنفسه فمن حقه أن يضع لحياته ما شاء من المبادئ والشرائع فلعمري أن من يتلق مثل هذا التعليم لا حاجة لغيره أن يقول له اكفر بالله، فإنه بنفسه يستغني عن الله ويتخلى عن العقيدة بوجوده.

أضف إلى هذا أن هذا النظام للتعليم ما انشأ في شبابنا ولا تلك الأخلاق الإنسانية الأساسية التي من المحال بدونها أن ترزق أمة من الأمم الحياة في الدنيا فضلا عن أن تترقى في الدنيا وتعلو كلمتها ويستقر في العالم سلطانها، فنرى أن النشء الجديد الذي تخرج حتى الآن في الكليات والجامعات تحت هذا النظام متحل بكل معنى الكلمة بمعايب أمم الغرب ولكن ليس عليه أي مسحة من محاسنها، فلا قيمة في نظره لمعرفة الواجب ولا للنشاط والجد والتعب في القيام به ولا لضبط الأوقات ولا للصبر والثبات في وجه الشدائد ولا لتقيد بالنظام ولا لضبط الأوقات ولا للصبر والثبات في وجه الشدائد ولا لتقيد بالنظام ولا لضبط النفس ولا للوفاء لشيء فوق الذات، كأنه شجرة نابتة في الغابة ليس لها من يرعاها ويعهدها بالشذب والتهذيب. لا يكاد يلمح فيه الناظر شيئا من الأخلاق الاجتماعية، وهو لا يتحرج في اقتراف أبشع ما يكون من أنواع الخيانة والمكر والغش مهما يكن عليه من أرفع المناصب ذات المسؤولية الكبرى، ولنا أن نجد منه في كل مكان وفي كل شعبة من شعب الحياة آلافا مؤلفة من مرتكبي أبشع أنواع السرقة والرشوة والمحسوبية والشفاعة والاستشفاع والسوق السوداء خلاقأ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٩٢