لأن الذين كانوا يتخرجون تحته، ما كانوا يتناسبون مع الحياة الاجتماعية بل كانوا لا يعرفون شيئا عن مسائلها ومشاكلها، ولذا فإنه لا مصرف للذين يتخرجون اليوم تحت هذا النظام سوى أن يجلسوا في المساجد يؤمون الناس في الصلاة أو يفتحوا المكاتب لتعليم الصبيان قراءة القرآن أو يجعلوا الوعظ مهنة يكسبون بها قوتهم ويشعلوا بين المسلمين نيران الخصومات والمشاجرات حول المسائل الاعتقادية أو الفقهية حتى تبقى الأمة تشعر بحاجتها إليهم. فهكذا وان كنا نستفيد بوجودهم بعض الشيء، أي لسببهم ينتشر فينا علم الدين، ولو إلى حد ضئيل، ويحصل للناس بعض معرفة بمبادئ الدين وتعاليمه ويبقى في حياتنا الدينية بعض حرارة، إلا أن الضرر الذي يصيبنا لأجلهم هو كبير جدا إذا قايسناه بناحية الفائدة هذه. تراهم لا يستطيعون أن يمثلوا الإسلام تمثيلا صحيحا ولا أن يطبقوا مبادئ الإسلام وتوجيهاته على قضايا الحياة العملية، ولا أن يقودوا الأمة وفقا لأحكام الإسلام وتعليماته ولا أن يعالجوا مشكلة من مشكلات حياتها الاجتماعية، بل انني لا أفارق الحقيقة إذا قلت أن الدين بدل أن تعلو كلمته ويرتفع رأسه، لا تزال رايته تنتكس يوما فيوما لأجلهم. وأن الطرق التي يتعبونها لتمثيل الإسلام ودعوة الناس إلى قبوله، من البشاعة والقذارة حيث لا يزال الناس لأجلها يبتعدون عن الدين ويضيقون به ذرعا، وقد أثاروا فينا من المجالات والخصومات لا يسر المسائل الدينية واهونها مالا تنقطع سلسلته لأن حاجاتهم في الحياة ترغمهم إرغاما على أن يتعهدوا هذه المجادلات والاحتكاكات بين المسلمين بالغرس والري حتى تبقى قائمة على سوقها بل تنمو وتزدهر، فإنه لولاها لما شعرت الأمة بحاجة إلى وجودهم.
هذا ما عليه نظامنا القديم للتعليم، فعنصر التعليم الديني فيه قليل جدا وأن المهمة التي يستخدم فيها اليوم، أي أعداد العلماء والأئمة للمساجد، ما كان وضع لها في حقيقة الأمر، وإنما كان وضع، كما بينا آنفا، قبل قرنين أو أكثر بقليل لأعداد الأفراد للوظائف الحكومية، وأما إذا كان قد أضيف إليه تعليم الفقه الإسلامي، فذلك لأن الفقه الإسلامي هو الذي كان قانون البلاد في ذلك الزمان، فلم يكن للمسؤولين عن تنفيذه بد من معرفته والإلمام بأسسه. فإذا كنا نعتقد اليوم أنه نظام لتعليمنا الديني، فإنما ذلك اكتفاء منا بالناقص الابتر ما دمنا لا نجد الكامل الصحيح، وإلا فالحقيقة أن عنصر التعليم الديني فيه قليل جدا، فلا يهتم فيه بتعليم القرآن والسنة والمبادئ الأساسية للدين على قدر ما يهتم فيه بتعليم الفقه والأدب والمنطق والصرف والنحو وما إليها من العلوم الأخرى على ما كانت توجد عليه قبل قرنين أو ثلاثة قرون. ليست عندنا اليوم مدرسة دينية يكون تعليم القرآن من أوله إلى آخره داخلا في منهاجها للتعليم، وإنما تدرس في أكثر هذه المدارس على طريق منظم سورة أو سورتان من القرآن كسورة البقرة وآل عمران فحسب، وأما سائر سور القرآن، فإن كانت دراستها داخلة في منهاج بعض هذه المدارس فإلى حد ترجمة ألفاظها وليس غير. أما الدراسة الوافية للقرآن الحكيم على وجه يجعل من الطالب مفسرا للقرآن، فلا تعرفها هذه المدارس ولا تهتم بها أصلا. وقل مثل هذا في الحديث النبوي، فإنه أيضا لا يدرس في إحدى هذه المدارس على وجه مرض يجعل من الطالب محدثا، وإنما الطريق الذي يتبع في هذه المدارس لتدريسه هو أنه كلما جاء أثناء الدرس حديث يتعلق بالخصومات الفقهية أو الاعتقادية فإن درسه يستغرق عدة أيام، وأما الأحاديث التي توضح حقيقة الدين أو التي قد جاء فيها بيان لنظام الإسلام للاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع والحضارة أو الأخلاق أو هي تتحدث برأي الإسلام في دستور الدولة أو نظام القضاء والمحكمة أو القانون الدولي، فإن الأساتذة والتلامذة جميعا يمرون عليها مر السحاب كان ليس فيها شيء يسترعي الانتباه ويستلفت النظر. أن هذه المدارس تهتم بالفقه أكثر من اهتمامها بالقرآن والحديث. الا أن الذي يدور حوله همها في معظم الأحيان بل كلها هو تفاصيل الجزئيات الفقهية، وأما تاريخ الفقه وارتقاؤه التدريجي والمزايا البارزة لكل مدرسة من مدارسه المختلفة وما لهذه المدارس من المبادئ المتفق عليها أو المختلف فيها، وطريق استنباط الأئمة المجتهدين الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، فأما هذه الأمور التي لا يمكن لطالب أن يكون فقيها بدون الإلمام بها والتشبع بها في حقيقة الأمر، فما هي بداخلة في مناهج هذه المدارس وبرامجها للتعليم، بل ان اساتذتها -فضلا عن تلاميذها المساكين- يكاد يكون نظرهم فيها كليلا. ان تنشئة الملكة الاجتهادية في الطالب غير مقصودة بل يكاد يعد الخوض فيها من الإثم في هذا النظام للتعليم، فمن العبث أن نرجو منها إعداد المجتهدين في الأمة.