دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 .................... ص39
بالجزائر من أجل ضمان سلام دائم على الحدود، لكنه الآن يفكر جديا في أكثر من ذلك، يفكر في أن يطرد العثمانيين من الجزائر نفسها، بل إن طموحه ليمتد به إلى التفكير في أخطر ذلك، إنه يريد أن (يغزو الترك في مصر ويخرجهم من أحجارها) كما كان يقول.
كان أبو عبد الله الشيخ مهتما بالدولة العثمانية، دائم التفكير فيها، وكانت هي أيضا مهتمة به اهتماما من نوع خاص، كانت تريد أن تبسط عليه وعلى المغرب نفوذها الفعلي عليه وعلى دولته، كانت تريد منه على الأقل، أن يعترف لها بالخلافة، وأن يقر لها بنوع من الإشراف الروحي. إنه لا يعدو في نظرها أن يكون واليا أو حاكما من حكام الأطراف، عليه أن يستمد سلطته الشرعية من دولة الخلافة الكبرى، من السلطان سليمان العثماني، سليمان الكبير.
وبدأت الدولة العثمانية من ذلك، بأن حاولت أن تحس نبض أبي عبد الله الشيخ، لتعرف مدى استعداده واستجابته، فبعثت من أجل ذلك رسولا خاصا إلى المغرب، وعند ما وصل الرسول كان أبو عبد الله الشيخ في تارودانت، في إحدى حركاته التي لم تكن تنقطع.
لم ينتظر الرسول عودة الملك إلى العاصمة، وإنما توجه من توه إلى تارودانت، حيث اتصل بالملك وبلغه رسالة من السلطان سليمان العثماني مكتوبة باللغة التركية، على أن ذلك لم يكن مشكلة إلى الحد الذي يمكن أن نتصوره، فقد كان في جيش أبي عبد الله الشيخ أتراك تخلفوا في المغرب من الحملة التي وفدت من الجزائر مع أبي حسون المريني، وعندما قتل أبو حسون الذي جاءوا لنصرته، لم يجدوا مطلقا أية غضاضة، أو أي تناقض يمكن أن يلحظ، في أن ينضموا لخصمه الذي جاءوا للقضاء عليه، ووجد هو فيهم أيضا جنودا شدادا متمرسين بالحرب، فرحب بهم في جيشه وأولاهم عناية خاصة، فقد كان يرجو بمساعدتهم أن يتمكن من طرد العثمانيين من الجزائر.
مهما يكن، فقد وصل الرسول، ورحب به السلطان، وأنزله ضيفا على رئيس الفرقة التركية في الجيش المغربي، وتولى الرئيس نفسه ترجمة الكتاب إلى العربية، فإذا هو لا يعدو أن السلطان سليمان العثماني يهنئ أبا عبد الله الشيخ بالنصر، ويجزي إليه متمنياته الطيبة بالنجاح والتوفيق، ويوصيه أن يسير في رعيته بالعدل، وألا يغفل أمر الجهاد، ثم يطلب السلطان بكل بساطة أن يدعي له منابر المغرب بصفته صاحب السلطة الشرعية الأولى، وأن يكتب اسمه على العملة المغربية، كما كان الملوك المرينيون يفعلون من قبل مع احتفاظهم باستقلالهم وسيادتهم الكاملة.
لم يكن أبو عبد الله الشيخ في حاجة إلى أن يسمع هذا الكلام لكي يحس قلبه ينفجر غيضا ضد هذه الدولة العاتية المتكبرة، وضد ملكها (سلطان القوارب) كما يدعوه، أو (سلطان الحواتة) كما كان يحلو له أن يسميه أحيانا أخرى، أما وقد بلغ التطاول بالسلطان العثماني إلى هذا الحد، وشرع بالفعل يكشف عن أطماعه وأغراضه، ويمهد لبسط سلطانه على المغرب، فلم يبق هناك من مكان للصبر، ولم تعد هناك من قدرة على الاحتمال، ولا من مبرر للصمت أو لكتمان الشعور بالعداوة والحقد والكراهية ضد دولة بني عثمان.
لم يكتب أبو عبد الله الشيخ للسلطان سليمان العثماني جوابا عن رسالته، وإنما اكتفى بأن يقول للرسول:
(لاجواب لك عندي حتى أكون بمصر، وحينئذ أكتب لسلطان القوارب).
وطار الرسول إلى القسطنطينية ليبلغ سلطان القوارب هذا الرد الكريم.
كان من الممكن جدا أن يثور السلطان سليمان العثماني لهذا الرد، وأن يبعث بحملة تأديبية إلى هذا الخارج عن الدولة الخلافة، المتمرد على سلطانها، المنكر لحقها الشرعي، الذي تأبى عليه كبرياؤه أن يعترف لها حتى بالأقل الممكن الذي لايكلفه شيئا على الإطلاق، والذي تأبى عليه قلة أدبه حتى أن يكتب لدولة الخلافة جوابا يشكر لها فيه التفاتتها الكريمة، ويتملق عظمتها، ويدعو لها بطول البقاء والنصر والتأييد.
كان من الممكن أن يحدث هذا، بل أن التاريخ ليحدثنا أن السلطان قد عزم عليه فعلا، وأصدر به أمره، لكن وزراء السلطان ومستشاريه، الذين يبدو أنهم كانوا عمليين أكثر مما تطيق أعصابه المرهفة، تلطفوا واقنعوا عظمته الخاقانية، أن هذه الحملة ربما ستكلف الكثير جدا، وأنهم مع ذلك يشكون في نجاحها، لبعد الشقة من جهة، ولكون الأساطيل العثمانية لم تجتز قط بوغاز جبل طارق من جهة أخرى، وهو مضيق صعب، قد تكون الملاحة فيه مخاطرة بالنسبة للأساطيل التي لم تعرفه من قبل، ولم تألف السير فيه، وإن من الممكن أن يدرك بالحيلة ما لا يدرك بالقوة، والحيلة مع ذلك إذا لم تنجح فالأمر فيها يسير، والخسارة معها بسيطة يسهل احتمالها، فقد لا تكلف أكثر من حياة رجل واحد، أو بضعة رجال على الأكثر.
واقتنع السلطان لحسن الحظ برأي وزرائه ووافق عليه، وترك لهم أمر تدبيره والسهر على تنفيذه.
*
كان أبو عبد الله محمد الشيخ لايزال يفكر في همه المقيم المقعد، كان لايزال حتى الساعة يفكر في أمر الجزائر وفي تحريرها من الأتراك العثمانيين، وجاءه