تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 .................... ص38

جولات قصيرة في تاريخ المغرب: اقطعوا رأسه بشاقور

للأستاذ: عبد القادر الصحراوي

-2 -

ملخص القسم السابق: كان أبو عبد الله الشيخ الملك الذي أرسى قواعد الدولة السعدية وقضى نهائيا على دولة بني مرين، شديدا جدا في معاملة أعدائه وخصومه السياسيين، وعندما فتح مدينة فاس للمرة الثانية، وتمت له الغلبة على أبي حسون المريني، بدأ ينتقم من أنصار أبي حسون، وكان من هؤلاء في رأيه، الفقيه عبد الوهاب الزقاق. استدعاه أبو عبد الله الشيخ ليحاكمه، أو لينهيه، قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام فلم يجبن الفقيه عبد الوهاب الزقاق، ولم يتلعثم، ولم يحاول الدفاع عن نفسه. قال له أبو عبد الله الشيخ: اختر بأي شيء تريد أن تموت؟ فأجابه الفقيه في شجاعة نادرة: اختر أنت لنفسك، فإن المرء مقتول بما قتل به. وتملكت الملك سورته وشدته، وغلبت عليه القسوة والكبرياء والأنانية، وصدمه جواب الفقيه، فصاح في المحيطين به من جنوده وحاشيته: أقطعوا رأسه بشاقور.

وقطع رأس الفقيه عبد الوهاب الزقاق بشاقور، تنفيذا لحكم القوة المنتصرة العاتية الغاشمة، القوة العمياء.

ومضى التاريخ قدما بعد ذلك بالملك المنتصر أبي عبد الله الشيخ من نصر إلى نصر، فاستطاع في مدة قريبة جدا بما أوتي من مضاء وحزم وقوة وشجاعة، أن يجمع أطراف المغرب كلها على طاعته والاعتراف بدولته واجتاز بسرعة فترة العمل من أجل ضمان الاستقرار الداخلي.

شيء واحد فقط، كان ينغص على أبي عبد الله الشيخ نشوة النصر، كان يعذبه ويؤرقه، ويقض مضجعه، كان يحز في نفسه ويؤلمها، هذه الدولة العثمانية الرابضة على الحدود، هذه الدولة العثمانية التي يمتد سلطانها غربا من القسطنطينية إلى الحدود المغربية الجزائرية، تنتظر الفرصة المواتية لتبلغ بجنودها وأساطيلها حدود المحيط.

لقد كان الوالي العثماني بالجزائر هو الذي أمد أبا حسون بالمدد العسكري اللازم، وساعده على إعادة الكرة على أبي عبد الله الشيخ، نصرا لحليف الدولة العثمانية القديم، أو تنفيذا لسياسة مرسومة تريد أن تغتنم كل فرصة مواتية لتشجيع الفتنة في المغرب تمهيدا لاحتلاله واستعماره، مهما يكن فلن يستطيع أبو عبد الله الشيخ أن ينسى أبدا، إن أبا حسون إنما انتصر عليه من قبل، وأخرجه من فاس في حالة منكرة بجيش تركي عثماني.

إن هؤلاء الأتراك على حدود هم الخطر الوحيد الذي يخشاه أبو عبد الله الشيخ على دولته، وإن أطماعهم لن تقف عند حدود المغرب الشرقية، إلا إذا ووجهوا بقوة كبيرة وعزم شديد، وهكذا بدا أبو عبد الله يفكر في الطريقة التي تمكنه من أبعاد الخطر، ومن ضمان استقلال البلاد واستقرارها وأمنها.

لقد دخل أبو عبد الله الشيخ في مناوشات مع الدولة العثمانية من أجل تلمسان لم يعد منها بطائل، ولم تنجح مفاوضات الصلح بينه وبين الوالي العثماني

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٣