تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعبية الأصيلة في البلدان العربية، والفولكلور المغربي، تلك الأنواع التي تشعرنا بالتقاليد والروح الشعبية الصافية، سواء في حب الإنسان للمرأة أو للأرض أو للحياة.

والسينما العربية التي تتركز حاليا في نشاط السينما المصرية لها نصيب وافر ومؤلم في هذه الأخطاء. ففي المدة الأخيرة شاعت (موضة) الأفلام الشعبية، لكننا في أغلب أنواع هذه الأفلام الشعبية، لكننا في أغلب هذا النوع من الأفلام، نشاهد الأفاقين والمجرمين والسكارى والنشالين والمقاهي التي هي أوكار للفساد الخلقي وتعاطي المخدرات، لا ينكر الإنسان كون الشعب البسيط في المدن يمارس في قطاعات من حباته هذا الواقع المظلم. لكن عل عي حياة الشغب الحقيقية؟ هل الأفاقون والسكارى نماذج حية للشعب؟ وأين الجماهير الفقيرة الباحثة عن لقمة عيشها بشرف وبساطة؟؟ والتي بدل اللجوء إلى النشل والسرقة كحل للفقر تفكر في النضال الجماعي ضد الظلم والفقر.

إن الحديث السابق كان في جملته عن أخطاء المحاولات الشعبية في الفن، من حيث اختيار الموضوع فكثيرا من الرسامين العرب يصورون مشاهد من الحياة الشعبية العربية بألوان وتكنيك أوربي متأثرين بالاتجاهات التي تظهر في باريز وروما ونيويورك، فيكون أسلوب التنفيذ غريبا عن روح الموضوع الشعبي وفي الموسيقى والأغاني نسمع كلاما شعبيا مع نغمات موسيقية فوضوية غريبة راقصة. وفي السينما، أغلب الأفلام العربية التي يزعم أنها شعبية، متأثرة في إخراجها وأسلوب تنفيذها بأسلوب الأفلام البوليسية الأمريكية. فبالإضافة إلى سطحية الموضوع الشعبي نرى التناقض الصارخ بين طبيعة المضمون وطبيعة الأسلوب. والتناقض بين الشكل والمضمون يقع فيه أحيانا حتى الذين ينجحون في اختيار موضوع شعبي سليم لإنتاجهم الفني.

إن إزالة هذا التناقض من السهولة بمكان، لأن الفنون الشعبية التقليدية العربية العريقة بأصالتها وتعبيرها المباشر عن طبيعة البيئة، توفر للفنانين جميعا التقنية الوطنية لمواضيعهم عن حياة شعوبهم، والأخذ بها يحررهم من التبعية للذوق والتقنية الأجنبية.

تلك نماذج مختصرة وسريعة، عن أخطاء وانحرافات المحاولات الشعبية في الفن العربي المعاصر، حيث لا يؤخذ من الحياة الشعبية سوى القطاعات السياحية أو الخرافية أو السطحية التافهة الزائلة.

وإذا كانت هذه الأخطاء تتفاقم الآن إلى حد مؤلم بحكم المرحلة الجنينية التي يجتازها الفن الشعبي العربي الحديث، فإن هناك النقيض التصحيحي لهذا الاتجاه الخاطئ كما ذكرت آنفا، هناك الاتجاه الشعبي السليم الذي ينمو بعمق وقوة ويصارع الأول، يقوده فنانون وأعوان لخصائص الواقع الشعبي كواقع العمل وكفاح ومعاناة ونضال دائب، واقع أفراد بسطاء شرفاء يبحثون عن الرزق والسلام والتحرر، واقع تقاليد قومية حضارية وعواطف إنسانية وفو فولكلور يفيض بنبل والصفاء الوطني وجمال مرتبط بروح الأرض.

إن الأغاني (الشعبية) المزيفة المنحلة التي لا تربطها بالتقاليد الشعبية أية صلة، تنمو إلى جانبها أغان يستروح منها الإنسان عبير الأرض والوطن، ومحاولات في الموسيقية الكلاسيكية السيمفونية تستمد عناصرها من ألحان وأهازيج الفلاحين. والرسوم الحديثة التي لا ترى من الشعب إلا مشعوذيه وخرافاته تنمو إلى جانبها محاولات في الرسوم تعكس الواقع الحقيقي للشعب، بل إن هذه المحاولات لا تتورع حتى عن التعرض السلبي للشعب ولكن بروح نقدية تحليلية واعية تؤكد أن الخرافات والجهل ليست خصائص فطرية للجماهير ولا من صنعها وإنما انعكاسات للظلم والاستغلال الجائم على حياتها، فبإمكان الفن الشعبي المخلص التوجه إلى القيم النظيفة والرديئة في الحياة الشعبية شرط معالجة كل منها بما يلائمها من تبجيل وتقديس أو نقد علمي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٠٦