في فن التصوير، رسامون عرب عديدون يتزايدون يوما بعد يوم .. يصورون لوحات عن المظاهر الحياة الشعبية، فما هي المواضيع التي يختارونها غالبا؟؟
أن حياة السوق مثلا كثيرا ما تثير الانتباه نظرا لكثرة الألوان وازدحام المشاهد وغناها وتنوع الحركات والحماس الحياتي الغالب عليها، لقد صور السوق الشعبي كثيرا في فن الرسم الغربي المعاصر، لكن أغلب المقاطع التي أخدت له كانت مقاطع عامة تجمع المشهد بشموله مهملة تحليل الجزئيات الضرورية والتعبيرات الوجدانية للأفراد وطابعهم الاجتماعي والطبقي، بحيث يضيع معني الحياة الشعبية للسوق كبحث عن الزق ولقمة العيش، لتصبح كمشاهد سياحية لازدحام سرابي غني الألوان، وما يقال عن السوق يقال عن الأحياء الشعبية أيضا.
أن الرسامين العرب الذين يرتكبون خطأ كهذا يتأثرون إلى حد ما بعقلية الرسامين الأوربيين الذين يلذ لهم تصوير الحياة الشعبية في الشرق، لا من حيث مضمونها الوطني كحياة جماعات تكافح في سبيل لقمة العيش وتحسين أوضاعها المتردية، ولكن من حيث خيالتهم الملونة عن الشرق كأرض ألف ليلة وليلة وهارون الرشيد والإشعاعات اللذيذة والصحراء الجميلة وقافلة الجمال ذات الهوادج.
الرسام الأربي يرى السوق الشعبي كمشهد مجرد خيالي، أما الجماعات كبشر يبيعون ويشترون ولهم واقع قومي وطبقي، فأمر لا يلتفت إلى محتواه.
على هذا القياس، فد يصور الرسام العربي من الحياة الشعبية، المهابيل الفقراء وحمقى الشوارع والأضرحة وكأنهم صورة عن الشعب، وينسى العمال الكادحين والفلاحين المرهقين، أو يصور الجانب الخرافي من الحياة الشعبية كالمشعوذين ومروضي الثعابين ودراويش الزوايا الدينية والناس البسطاء يتبركون بقبور الأولياء.
وقد يلجأ بعضهم إلى تصوير ملاك فلاحي كبير ضانا بأنه يصور الحياة الفلاحية (التي يفترسها الإقطاع والاستغلال.) أو أعمال مرحين خارجين من المصنع بملابس نظيفة يضحكون ضحكات مفتعلة يتوهمها بينما حقيقة حياتهم في المصنع والمجتمع صورة للظلم وقسوة الحياة، أو متسولا بملابس جميلة الألوان. لقد رأين لوحة لرسام صور فيها الجنايني في الصورة يوحي بأناقة ونظافة ولمعان ملابسه بأنه من هؤلاء السعداء الذين يخدمون في قصور الأغنياء والسفارات الأجنبية. أنها أخطاء كثيرة في التصوير الشعبي العربي الحديث ولعلها تكون وضوحا وتجسيما في فنون السينما والأغاني والموسيقى التي هي الأخرى تقوم بذلت المحاولات الشعبية.
إن بعض الأغاني العربية تسمى شعبية، لماذا؟؟ لأنها تحاكي الاصطلاحات العامية الدارجة في المدن، ولا يلتقط منها إلا نوع مفكك من الغزل المراهق الأمي الذي لا يرتبط بأية تقاليد قومية وإنسانية للحب الرقيق الشريف الهادف لتكوين أسرة وإنجاب أطفال وإغناء المجتمع.
إن بعض أغاني (المطرب) فلان تسمى شعبية، لكن مضمونها يحكي قصة رجل موله وعاشق لامرأة يتذلل لها وبدرس من أجلها على كرامته ورجولته وبتوسل إليها ألا تقسو عليه وأن تكف عن خيانته.
فهل الحياة الشعبية السليمة تحتوي على رجل من هذا النوع وكأنها المومس في تنقلها ودلالها بين الرجال؟؟
إن الحياة الشعبية تحتوي طبعا على مظاهر لتحلل والفساد وفقدان القيم. لكن .. هل هده هي المظاهر التي يجب أن يتغنى بها الفن الشعبي وكأنها نماذج للظرف والجمال والحقيقة؟؟.
ولا شك أن كثيرا من الأغاني المغربية العصرية (الشعبية) تتخبط في ذات الانحرافات، ولا سيما حين نسمع أغنية كلامها شعبي ولحنها أوربي راقص أن أغلب منجزات الغناء العربي الحديث الذي يقال عنه أنه شعبي، غناء لا يرى من الحياة الشعبية سوى وجهها المزيف السلبي الذي يجب التخلص منه لأنه من نتائج جهل وفقر وشقاء الشعب.
لعل النموذج السليم للغناء الشعبي الحقيقي هو ما تغنيه فيروز أحيانا .. والفولكلور اللبناني والأغاني